توفيق حجازى

تم إنشاء موقع الفنان الأستاذ / توفيق حجازي إهداء من حمام مسعد
اجمل التهانى وارق الامانى للعضوه عاشقه الضاد بمناسبه الخطوبه السعيده
بدء دورات الخط العربى بقر الجمعيه

    المستطرف في كل فن مستظرف

    شاطر
    avatar
    توفيق حجازى
    Admin

    عدد المساهمات : 682
    تاريخ التسجيل : 04/05/2010
    العمر : 58

    المستطرف في كل فن مستظرف

    مُساهمة  توفيق حجازى في الخميس يونيو 17, 2010 5:01 pm

    المستطرف في كل فن مستظرف
    تأليف العلامة الفاضل واللوذعي الكامل الشيخ شهاب الدين أحمد الأبشيهي

    المستطرف [ جزء 1 - صفحة 9 ]


    بسم الله الرحمن الرحيم
    الحمد لله الملك العظيم العلي الكبير الغني اللطيف الخبير المنفرد بالعز والبقاء والارادة والتدبير الحي العليم الذي ليس كمثله شيء وهو السميع البصير تبارك الذي بيده الملك وهو على كل شيء قدير أحمده حمد عبد معترف بالعجز والتقصير وأشكره على ما أعان عليه على قصد ويسر من عسير وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ولا مشير ولا ظهير له ولا وزير وأشهد أن سيدنا محمدا عبده ورسوله البشير النذير السراج المنير المبعوث إلى كافة الخلق من غني وفقير ومأمور وأمير صلى الله وسلم عليه وعلى آله وأصحابه صلاة يفوز قائلها من الله بمغفرة وأجر كبير وينجو بها في الآخرة من عذاب السعير وحسبنا الله ونعم الوكيل فنعم المولى ونعم النصير
    اما بعد فقد رأيت جماعة من ذوي الهمم جمعوا أشياء كثيرة من الآداب والمواعظ والحكم وبسطوا مجلدات في التواريخ والنوادر والأخبار والحكايات واللطائف ورقائق الأشعار وألفوا في ذلك كتبا كثيرة وتفرد كل منها بفرائد فوائد لم تكن في غيره من الكتب محصورة فاستخرت الله تعالى وجمعت من جموعها هذا المجموع اللطيف وجعلته مشتملا على كل فن ظريف وسميته المستطرف في كل فن مستظرف واستدللت فيه بآيات كثيرة من القرآن العظيم وأحاديث صحيحة من أحاديث النبي الكريم وطرزته بحكايات حسنة عن الصالحين الأخيار ونقلت فيه كثيرا مما أودعه الزمخشري في كتابه ربيع الأبرار وكثيرا مما نقله ابن عبد ربه في كتابه العقد الفريد ورجوت أن يجد مطالعه فيه كل ما يقصد ويريد


    -------------------------------------

    المستطرف [ جزء 1 - صفحة 10 ]


    وجمعت فيه لطائف وظرائف عديدة من منتخبات الكتب النفيسة المفيدة وأودعته من الأحاديث النبوية والأمثال الشعرية والألفاظ اللغوية والحكايات الجدية والنوادر الهزلية ومن الغرائب والدقائق والأشعار والرقائق ما تشنف بذكره الأسماع وتقر برؤيته العيون وينشرح بمطالعته كل قلب محزون شعر
    ( من كل معنى يكاد الميت يفهمه ... حسنا ويعشقه القرطاس والقلم )
    وجعلته يشتمل على أربعة وثمانين بابا من أحسن الفنون متوجة بألفاظ كأنها الدر المكنون كما قال بعضهم شعرا في المعنى
    ( ففي كل باب منه در مؤلف ... كنظم عقود زينتها الجواهر )
    ( فإن نظم العقد الذي فيه جوهر ... على غير تأليف فما الدر فاخر )
    وضمنته كل لطيفة ونظمته بكل ظريفة وقرنت الأصول فيه بالفضول ورجوت أن يتيسر لي ما رمته من الوصول وجعلت أبوابه مقدمة وفصلتها في مواضعها مرتبة منظمة ليقصد الطالب إلى كل باب منها عند الاحتياج إليه ويعرف مكانه بالاستدلال عليه فيجد كل معنى في بابه إن شاء الله تعالى والله المسؤول في تيسير المطلوب وأن يلهم الناظر فيه ستر ما يراه من خلل وعيوب إنه على ما يشاء قدير وبالإجابة جدير وهذه فهرست الكتاب والله سبحانه المهون للصعاب
    الباب الأول في مباني الإسلام وفيه خمسة فصول الباب الثاني في العقل والذكاء والحمق والذم وغير ذلك الباب الثالث في القرآن العظيم وفضله وحرمته وما أعد الله تعالى لقارئه من الثواب العظيم والأجر الجسيم الباب الرابع في العلم والأدب وفضل العالم والمتعلم الباب الخامس في الآداب والحكم وما أشبه ذلك الباب السادس في الأمثال السائرة وفيه فصول الباب السابع في البيان والبلاغة والفصاحة وذكر الفصحاء من الرجال والنساء وفيه فصول الباب الثامن في الأجوبة المسكتة والمستحسنة ورشقات اللسان وما جرى


    -------------------------------------

    المستطرف [ جزء 1 - صفحة 11 ]


    مجرى ذلك الباب التاسع في ذكر الخطب والخطباء والشعراء وسرقاتهم وكبوات الجياد وهفوات الأمجاد الباب العاشر في التوكل على الله تعالى والرضا بما قسم والقناعة وذم الحرص والطمع وما أشبه ذلك وفيه فصول الباب الحادى عشر في المشورة والنصيحة والتجارب والنظر في العواقب الباب الثاني عشر في الوصايا الحسنة والمواعظ المستحسنة وما أشبه ذلك الباب الثالث عشر في الصمت وصون اللسان والنهي عن الغيبة والسعي بالنميمة ومدح العزلة وذم الشهرة وفيه فصول الباب الرابع عشر في الملك والسلطان وطاعة ولاة أمور الإسلام وما يجب للسلطان على الرعية وما يجب لهم عليه الباب الخامس عشر فيما يجب على من صحب السلطان والتحذير من صحبته الباب السادس عشر في الوزراء وصفاتهم وأحوالهم وما أشبه ذلك الباب السابع عشر في ذكر الحجاب والولاية وما فيها من الغرور والخطر الباب الثامن عشر فيما جاء في القضاء وذكر القضاة وقبول الرشوة والهدية على الحكم وما يتعلق بالديون وذكر القصاص والمتصوفة وفيه فصول الباب التاسع عشر في العدل والإحسان والإنصاف وغير ذلك الباب العشرون في الظلم وشؤمه وسوء عواقبه وذكر الظلمة وأحوالهم وغير ذلك الباب الحادى والعشرون في بيان الشروط التي تؤخذ على العمال وسيرة السلطان في استجباء الخراج وأحكام أهل الذمة وفيه فصلان الباب الثاني والعشرون في اصطناع المعروف وإغاثة الملهوف وقضاء الحوائج للمسلمين وإدخال السرور عليهم الباب الثالث والعشرون في محاسن الأخلاق ومساويها الباب الرابع والعشرون في حسن المعاشرة والمودة والأخوة والزيارة وما أشبه ذلك الباب الخامس والعشرون في الشفقة على خلق الله تعالى والرحمة بهم وفضل الشفاعة وإصلاح ذات البين وفيه فصلان الباب السادس والعشرون في الحياء والتواضع ولين الجانب وخفض الجناح وفيه فصلان الباب السابع والعشرون في العجب والكبر والخيلاء وما أشبه ذلك الباب الثامن والعشرون في الفخر والمفاخرة والتفاضل


    -------------------------------------

    المستطرف [ جزء 1 - صفحة 12 ]


    والتفاوت الباب التاسع والعشرون في الشرف والسؤدد وعلو الهمة الباب الثلاثون في الخير والصلاح وذكر السادة الصحابة وذكر الأولياء والصالحين رضي الله عنهم أجمعين الباب الحادى والثلاثون في مناقب الصالحين وكرامات الأولياء رضي الله عنهم الباب الثاني والثلاثون في ذكر الأشرار والفجار وما يرتكبون من الفواحش والوقاحة والسفاهة الباب الثالث والثلاثون في الجود والسخاء والكرم ومكارم الأخلاق واصطناع المعروف وذكر الأمجاد وأحاديث الأجواد الباب الرابع والثلاثون في البخل والشح وذكر البخلاء وأخبارهم وما جاء عنهم الباب الخامس والثلاثون في الطعام وآدابه والضيافة وآداب المضيف والضيف وأخبار الأكلة وما جاء عنهم وغير ذلك الباب السادس والثلاثون في العفو والحلم والصفح وكظم الغيظ والاعتذار وقبول المعذرة والعتاب وما أشبه ذلك الباب السابع والثلاثون في الوفاء بالوعد وحسن العهد ورعاية الذمم الباب الثامن والثلاثون في كتمان السر وتحصينه وذم إفشائه الباب التاسع والثلاثون في الغدر والخيانة والسرقة والعداوة والبغضاء والحسد وفيه فصول الباب الأربعون في الشجاعة وثمرتها والحروب وتدبيرها وفضل الجهاد وشدة البأس والتحريض على القتال وفيه فصول الباب الحادى والأربعون في ذكر أسماء الشجعان ذكر الأبطال وطبقاتهم وأخبارهم وذكر الجبناء وأخبارهم وذم الجبن الباب الثاني والأربعون في المدح والثناء وشكر النعمة والمكافأة وفيه فصول الباب الثالث والأربعون في الهجاء ومقدماته الباب الرابع والأربعون في الصدق والكذب وفيه فصلان الباب الخامس والأربعون في بر الوالدين وذم العقوق وذكر الأولاد وما يجب لهم وعليهم وصلة الرحم والقرابات وذكر الأنساب وفيه فصول الباب السادس والأربعون في الخلق وصفاتهم وأحوالهم وذكر الحسن والقبح والطول والقصر والألوان واللباس وما أشبه ذلك الباب السابع والأربعون في ذكر الحلى والمصوغ والطيب والتطبيب وما جاء في التختم الباب الثامن والأربعون في الشباب والشيب


    -------------------------------------

    المستطرف [ جزء 1 - صفحة 13 ]


    والصحة والعافية وأخبار المعمرين وما أشبه ذلك وفيه فصول الباب التاسع والأربعون في الأسماء والكنى والألقاب وما استحسن منها الباب الخمسون في الاسفار والاغتراب وما قيل في الوداع والفراق والحث على ترك الإقامة بدار الهوان وحب الوطن والحنين إلى الأوطان الباب الحادى والخمسون في ذكر الغنى وحب المال والافتخار بجمعه الباب الثاني والخمسون في ذكر الفقر ومدحه الباب الثالث والخمسون في ذكر التلطف في السؤال وذكر من سئل فجاد الباب الرابع والخمسون في ذكر الهدايا والتحف وما أشبه ذلك الباب الخامس والخمسون في العمل والكسب والصناعات والحرف والعجز والتواني وما أشبه ذلك الباب السادس والخمسون في شكوى الزمان وانقلابه بأهله والصبر على المكاره والتسلي عن نوائب الدهر وفيه ثلاثة فصول الباب السابع والخمسون فيما جاء في اليسر بعد العسر والفرج بعد الشدة والسرور بعد الحزن ونحو ذلك الباب الثامن والخمسون في ذكر العبيد والإماء والخدم وفيه فصلان الباب التاسع والخمسون في أخبار العرب وذكر غرائب من عوائدهم وعجائب أمرهم الباب الستون في الكهانة والقيافة والزجر والعرافة والفأل والطيرة والفراسة والنوم والرؤيا الباب الحادى والستون في الحيل والخدائع المتوصل بها إلى بلوغ المقاصد والتيقظ والتبصر ونحو ذلك الباب الثاني والستون في ذكر الدواب والوحوش والطير والهوام والحشرات مرتبا على حروف المعجم الباب الثالث والستون في ذكر نبذة من عجائب المخلوقات وصفاتهم الباب الرابع والستون في خلق الجان وصفاتهم الباب الخامس والستون في ذكر البحار وما فيها من العجائب وذكر الأنهار والآبار وفيه فصول الباب السادس والستون في ذكر عجائب الأرض وما فيها من الجبال والبلدان وغرائب البنيان وفيه فصول الباب السابع والستون في ذكر المعادن والأحجار وخواصها الباب الثامن والستون في ذكر الأصوات والألحان وذكر الغناء واختلاف الناس ومن كرهه واستحسنه الباب التاسع والستون في ذكر المغنين والمطربين وأخبارهم ونوادر


    -------------------------------------

    المستطرف [ جزء 1 - صفحة 14 ]


    الجلساء في مجالس الخلفاء الباب السبعون في ذكر القينات والأغاني الباب الحادي والسبعون في ذكر العشق ومن بلي به والافتخار به والعفاف وأخبار من مات بالعشق وما في معنى ذلك وفيه فصول الباب الثاني والسبعون في ذكر رقائق الشعر والمواليا والدوبيت وكان وكان والموشحات والزجل والقومة والألغاز ومدح الأسماء والصفات وفيه فصول الباب الثالث والسبعون في ذكر النساء وصفاتهن ونكاحهن وطلاقهن وما يمدح وما يذم من عشرتهن وفيه فصول الباب الرابع والسبعون في ذم الخمر وتحريمها والنهي عنها الباب الخامس والسبعون في المزاح والنهي عنه وما جاء في الترخيص فيه والبسط والتنعم وفيه فصول الباب السادس والسبعون في النوادر والحكايات وفيه فصول الباب السابع والسبعون في الدعاء وآدابه وشروطه وفيه فصول الباب الثامن والسبعون في القضاء والقدر وأحكامهما والتوكل على الله تعالى الباب التاسع والسبعون في التوبة وشروطها والندم والاستغفار الباب الثمانون في ذكر الأمراض والعلل والطب والدواء والسنة والعيادة وثوابها وما أشبه ذلك وفيه فصول الباب الحادي والثمانون في ذكر الموت وما يتصل به من القبر وأحواله الباب الثاني والثمانون في الصبر والتأسي والتعازي والمراثي ونحو ذلك وفيه فصول الباب الثالث والثمانون في ذكر الدنيا وأحوالها وتقلبها بأهلها والزهد فيها ونحو ذلك الباب الرابع والثمانون في فضل الصلاة على النبي وهو آخر الأبواب ختمتها بالصلاة على سيد العباد أرجو بذلك شفاعته يوم المعاد


    -------------------------------------

    المستطرف [ جزء 1 - صفحة 15 ]


    الباب الأول في مباني الإسلام وفيه خمسة فصول
    الفصل الأول في الأخلاص لله تعالى والثناء عليه
    وهو أن تعلم أن الله تعالى واحد لا شريك له فرد لا مثل له صمد لا ند له أزلي قائم أبدي دائم لا أول لوجوده ولا آخر لأبديته قيوم لا يفنيه الأبد ولا يغيره الأمد بل هو الأول والآخر والظاهر والباطن منزه عن الجسمية ليس كمثله شيء وهو فوق كل شيء فوقيته لا تزيده بعدا عن عباده وهو أقرب إلى العبيد من حبل الوريد وهو على كل شيء شهيد وهو معكم أينما كنتم لا يشابه قربه قرب الأجسام كما لا يشابه ذاته ذوات الأجرام منزه عن أن يحده زمان مقدس عن أن يحيط به مكان تراه أبصار الأبرار في دار القرار على ما دلت عليه الآيات والأخبار حي قادر جبار قاهر لا يعتريه عجز ولا قصور ولا تأخذه سنة ولا نوم له الملكوت والعزة والجبروت خلق الخلق وأعمالهم وقدر أرزاقهم وآجالهم لا تحصى مقدوراته ولا تتناهى معلوماته عالم بجميع المعلومات لا يعزب عنه مثقال ذرة في الأرض ولا في السموات يعلم السر وأخفى ويطلع على هواجس الضمائر وخفيات السرائر مريد للكائنات مدبر للحادثات لا يجري في ملكه قليل ولا كثير ولا جليل ولا حقير خير أو شر نفع أو ضر إلا بقضائه وقدره وحكمه ومشيئته فما شاء كان وما لم


    -------------------------------------

    المستطرف [ جزء 1 - صفحة 16 ]


    يشأ لم يكن فهو المبدىء المعيد الفاعل لما يريد لا معقب لحكمه ولا راد لقضائه ولا مهرب لعبد عن معصيته إلا بتوفيقه ورحمته ولا قوة له على طاعته إلا بمحبته وإرادته لو اجتمع الإنس والجن والملائكة والشياطين على أن يحركوا في العالم ذرة أو يسكنوها دون إرادته لعجزوا سميع بصير متكلم بكلام لا يشبه كلام خلقه وكل ما سواه سبحانه وتعالى فهو حادث أوجده بقدرته وما من حركة وسكون إلا وله في ذلك حكمة دالة على وحدانيته قال الله تعالى ( إن في خلق السموات والأرض ) الآية وقال أبو العتاهية
    ( فيا عجبا كيف يعصى الإله ... أم كيف يجحده الجاحد )
    ( وفي كل شيء له آية ... تدل على أنه الواحد )
    ( ولله في كل تحريكة ... وتسكينة في الورى شاهد )
    وقال غيره
    ( كل ما ترتقي إليه بوهم ... من جلال وقدرة وسناء )
    ( فالذي أبدع البرية أعلى ... منه سبحان مبدع الأشياء )
    وقال علي رضي الله عنه في بعض وصاياه لولده إعلم يا بنى أنه لو كان لربك شريك لأتتك رسله ولرأيت آثار ملكه وسلطانه ولعرفت أفعاله وصفاته ولكنه إله واحد لا يضاده في ملكه أحد وعنه عليه الصلاة والسلام كل ما يتصور في الأذهان فالله سبحانه بخلافه
    وقال لبيد بن ربيعة
    ( ألا كل ما خلا الله باطل ... وكل نعيم لا محالة زائل )
    ( وكل ابن أنثى لو تطاول عمره ... إلى الغاية القصوى فللقبر آيل )
    ( وكل أناس سوف تدخل بينهم ... دويهية تصفر منها الأنامل )
    ( وكل امرىء يوما سيعرف سعيه ... إذا حصلت عند الإله الحصائل )


    -------------------------------------

    المستطرف [ جزء 1 - صفحة 17 ]


    وروي أن النبي قال وهو على المنبر أن أشعر كلمة قالتها العرب ألا كل شيء ما خلا الله باطل
    ثم بعد هذا الاعتقاد الإقرار بالشهادة بأن محمدا رسول الله بعثه برسالته إلى الخلائق كافة وجعله خاتم الأنبياء ونسخ بشريعته الشرائع وجعله سيد البشر والشفيع المشفع في المحشر وأوجب على الخلق تصديقه فيما أخبر عنه من أمور الدنيا والآخرة فلا يصح إيمان عبد حتى يؤمن بما أخبر به بعد الموت من سؤال منكر ونكير وهما ملكان من ملائكةالله تعالى يسألان العبد في قبره عن التوحيد والرسالة ويقولان له من ربك وما دينك ومن نبيك ويؤمن بعذاب القبر وأنه حق وأن الميزان حق والصراط حق والحساب حق وأن الجنة حق والنار حق وأن الله تعالى يدخل الجنة من يشاء بغير حساب وهم المقربون وأنه يخرج عصاة الموحدين من النار بعد الانتقام حتى لا يبقى في جهنم من في قلبه مثقال ذرة من الإيمان ويؤمن بشفاعة الأنبياء ثم بشفاعة العلماء ثم بشفاعة الشهداء وأن يعتقد فضل الصحابة رضي الله تعالى عنهم ويحسن الظن بجميعهم على ما وردت به الأخبار وشهدت به الآثار فمن اعتقد جميع ذلك مؤمنا به موقنا فهو من أهل الحق والسنة مفارق لعصابة الضلال والبدعة رزقنا الله الثبات على هذه العقيدة وجعلنا من أهلها ووفقنا للدوام إلى الممات على التمسك والاعتصام بحبلها إنه سميع مجيب فهذه العقيدة قد اشتملت على أحد أركان الإسلام الخمسة قال رسول الله بني الإسلام على خمس شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله وإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة وصوم رمضان وحج البيت من استطاع إليه سبيلا


    -------------------------------------

    المستطرف [ جزء 1 - صفحة 18 ]


    الفصل الثاني في الصلاة وفضلها
    قال الله تعالى ( حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى وقوموا لله قانتين ) وقال تعالى ( وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة ) وقال تعالى ( إن الصلاة كانت على المؤمنين كتابا موقوتا ) واختلفوا في اشتقاق اسم الصلاة مم هو فقيل هو من الدعاء وتسمية الصلاة دعاء معروفة في كلام العرب فسميت الصلاة صلاة لما فيها من الدعاء وقيل سميت بذلك من الرحمة قال الله تعالى ( إن الله وملائكته يصلون على النبي ) فهي من الله رحمة ومن الملائكة استغفار ومن الناس دعاء قال اللهم صل على آل أبي أوفى أي ارحمهم وقيل سميت بذلك من الاستقامة من قولهم صليت العود على النار إذا قومته والصلاة تقيم العبد على طاعة الله وخدمته وتنهاه عن خلافه قال الله تعالى ( إن الصلاة تنهي عن الفحشاء والمنكر ) وقيل لأنها صلة بين العبد وربه وعن رسول الله قال علم الأيمان الصلاة فمن فرغ لها قلبه وحافظ عليها بحدودها فهو مؤمن وعن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه أنه قال وهو على المنبر إن الرجل ليشيب عارضاه في الاسلام وما اكمل لله تعالى صلاة قيل وكيف ذلك قال لا يتم ركوعها وسجودها وخشوعها وتواضعه وإقباله على الله فيها وقالت عائشة رضي الله تعالى عنها كان رسول الله يحدثنا ونحدثه فإذا حضرت الصلاة فكأنه لم يعرفنا ولم نعرفه وقيل للحسن ما بال المتهجدين من أحسن الناس وجوها فقال


    -------------------------------------
    المستطرف [ جزء 1 - صفحة 19 ]
    لأنهم خلوا بالرحمن فألبسهم نورا من نوره وقال بعضهم لا تفوت أحدا صلاة في جماعة إلا بذنب وكانت رابعة العدوية تصلي في اليوم والليلة ألف ركعة وتقول والله ما أريد بها ثوابا ولكن ليسر ذلك رسول الله ويقول للأنبياء عليهم الصلاة والسلام أنظروا إلى امرأة من أمتي هذا عملها في اليوم والليلة وقال بعضهم صليت خلف ذي النون المصري فلما أراد أن يكبر رفع يديه وقال الله ثم بهت وبقي كأنه جسد لا روح فيه إعظاما لربه جل وعلا ثم قال الله أكبر فظننت أن قلبي انخلع من هيبة تكبيره وقيل أوحى الله تعالى إلى داود عليه السلام يا داود كذب من ادعى محبتي وإذا جن عليه الليل نام عني أليس كل محب يحب الخلوة بحبيبه ولعبد الله بن المبارك رضي الله تعالى عنه
    ( إذا ما الليل أظلم كابدوه ... فيسفر عنهم وهم ركوع )
    ( أطار الخوف نومهم فقاموا ... وأهل الأمن في الدنيا هجوع )
    وكان سيدي الشيخ الإمام العلامة فتح الدين بن أمين الدين الحكم التحريري رحمه الله كثيرا ما يتمثل بهذه الأبيات
    ( يا أيها الراكد كم ترقد ... قم يا حبيبي قد دنا الموعد )
    ( وخذ من الليل ولو ساعة ... تحظى إذا ما هجع الرقد )
    ( من نام حتى ينقضي ليله ... لم يبلغ المنزل لو يجهد )
    وكان سيدي أويس القرني لا ينام ليلة ويقول ما بال الملائكة لا يفترون ونحن نفتر وقال حذيفة رضي الله عنه كان رسول الله إذا حز به أمر فزع إلى الصلاة وقال هشام بن عروة كان أبي
    -------------------------------------
    المستطرف [ جزء 1 - صفحة 20 ]
    يطيل المكتوبة ويقول هي رأس المال وقال أبو الطفيل سمعت أبا بكر الصديق رضي الله تعالى عنه يقول يا أيها الناس قوموا إلى نيرانكم فاطفئوها سمعت رسول الله يقول الصلاة إلى الصلاة كفارة لما بينهما ما اجتنبت الكبائر وجزأ محمد بن المنكدر عليه وعلى أمه وعلى اخته الليل أثلاثا فماتت اخته فجزأه عليه وعلى أمه فماتت أمه فقام الليل كله وكان مسلم بن بشار إذا أراد أن يصلي في بيته يقول لأهله تحدثوا فلست أسمع حديثكم وكان إذا دخل البيت سكت أهله فلا يسمع لهم كلام فاذا قام إلى الصلاة تحدثوا وضحكوا ووقع حريق إلى جنبه وهو في الصلاة فما شعر به حتى أطفىء وكان الحمام يقع على رأس ابن الزبير في المسجد الحرام يحسبه جذعا منصويا لطول انتصابه في الصلاة وكانت العصافير تقع على ظهر إبراهيم بن شريك وهو ساجد كما تقع على الحائط وختم القرآن في ركعة واحدة أربعة من الأئمة عثمان بن عفان وتميم الداري وسعيد بن جبير وأبو حنيفة رضي الله تعالى عنهم ورأى الأوزاعي شابا بين القبر والمنبر فلما طلع الفجر استلقى ثم قال عند الصباح يحمد القوم السرى فقال يا ابن أخي لك ولأصحابك لا للجمالين وكان خلف بن أيوب لا يطرد الذباب عن وجهه في الصلاة فقيل له كيف تصبر فقال بلغني أن الفساق يتصبرون تحت السياط ليقال فلان صبور وأنا بين يدي ربي أفلا أصبر على ذباب يقع على وقال ابو صفوان بن عوانة ما من منظر أحسن من رجل عليه ثياب بيض وهو قائم يصلي في القمر كأنه يشبه الملائكة وقال الحسن ما كان في هذه الأمة أعبد من فاطمة عليها السلام بنت رسول الله وكانت تقوم بالأسحار حتى تومت قدماها وقام رسول الله حتى تورمت قدماه وهو المغفور له ما تقدم من ذنبه وما تأخر وكانت دموعه تقع في مصلاه كوكف المطر وكان إبراهيم الخليل عليه الصلاة والسلام يسمع لقلبه خفقان وغليان هذا خوف الحبيب والخليل مع ما أعطيا من الإجلال والإكرام وشرف المقام
    -------------------------------------
    المستطرف [ جزء 1 - صفحة 21 ]
    فالعجب كيف يطمئن قلب من أزعجته الآثام وقال رسول الله لرجل قال له ادع الله أن يجعلني رفيقك في الجنة فقال أعني على نفسك بكثرة السجود وقال حاتم الأصم رحمه الله تعالى فاتتني صلاة الجماعة مرة فعزاني أبو إسحق البخاري وحده ولو مات لي ولد لعزاني أكثر من عشرة آلاف لأن مصيبة الدين عندهم أهون من مصيبة الدنيا وكان السلف رضي الله تعالى عنهم يعزون أنفسهم ثلاثة أيام إذا فاتتهم التكبيرة الأولى وسبعا إذا فاتتهم الجماعة وقال ابن عباس رضي الله عنهما ركعتان مقتصدتان في تفكر خير من قيام ليلة والقلب ساه
    وأنشد بعضهم
    ( خسر الذي ترك الصلاة وخابا ... وأبى معادا صالحا ومآبا )
    ( إن كان يجحدها فحسبك أنه ... أضحى بربك كافرا مرتابا )
    ( أو كان يتركها لنوع تكاسل ... غطى على وجه الصواب حجابا )
    ( فالشافعي ومالك رأيا له ... إن لم يتب حد الحسام عقابا )
    ( والرأي عندي للإمام عذابه ... بجميع تأديب يراه صوابا )
    اللهم أعنا على الصلاة وتقبلها منا بكرمك ولا تجعلنا من الغافلين برحمتك يا أرحم الراحمين وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه أجمعين
    ومما يستحسن إلحاقه بهذا الفصل ذكر شيء من فضل السواك والأذان
    أما السواك فقد قال الرسول لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك عند كل صلاة وقال أيضا صلاة على أثر سواك أفضل من خمس وسبعين صلاة على غير سواك وقال حذيفة بن اليمان رضي الله عنه كان رسول الله إذا قام ليتهجد شاص فاه
    -------------------------------------
    المستطرف [ جزء 1 - صفحة 22 ]
    بالسواك وقال السواك مطهرة للفم مرضاة للرب وعنه أنه قال لو يعلم الناس ما في السواك لبات مع الرجل في لحافه وقال أيضا أفواهكم طرق لكلام ربكم فنظفوها والاختيار في السواك أن يكون بعود الأراك ويجزي بغيره من العيدان وبالسعد والإشنان والخرقة الخشنة وغير ذلك مما ينظف ويستاك عرضا مبتدئا بالجانب الأيمن من فيه وينوي به الإيتان بالسنة والسواك بعود الزيتون يزيل الحفر من الأسنان وقال الأصحاب يقول عند السواك اللهم بارك لي فيه يا أرحم الراحمين ويستاك في ظاهر الأسنان وباطنها ويمر السواك على أطراف أسنانه وأضراسه وسقف حلقه إمرارا لطيفا ويستاك بعود متوسط لا شديد اليبوسة ولا شديد اللين فإن اشتد يبسه لينه بالماء وقد قيل إن من فضائل السواك أنه يذكر الشهادة عند الموت ويسهل خروج الروح
    وأما الأذان فقد روي عن النبي أنه قال يد الرحمن على رأس المؤذن حتى يفرغ من أذانه قيل في قوله تعالى ومن أحسن قولا ممن دعا إلى الله وعمل صالحا نزلت في المؤذنين وعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه عن النبي قال يغفر الله للمؤذن مدى صوته ويشهد له ما سمعه من رطب ويابس وعن معاوية رضي الله عنه قال سمعت رسول الله يقول المؤذنون أطول الناس أعناقا يوم القيامة رواه مسلم وعن ابي هريرة رضي الله عنه عن النبي قال إذا نودي للصلاة أدبر الشيطان وله ضراط حتى لا يسمع التأذين رواه البخاري ومسلم وعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال سمعت رسول الله يقول لا يسمع مدى صوت المؤذن جن ولا أنس ولا شيء إلا شهد له يوم القيامة رواه البخاري والأحاديث في فضله كثيرة مشهورة والله سبحانه وتعالى أعلم
    -------------------------------------
    المستطرف [ جزء 1 - صفحة 23 ]
    الفصل الثالث في الزكاة وفضلها
    قرن الله سبحانه وتعالى الزكاة بالصلاة في مواضع شتى من كتابه قال الله تعالى ( وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة ) وقال تعالى ( رجال لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله واقام الصلاة وإيتاء الزكاة ) وقال تعالى ( ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة وذلك دين القيمة ) وعن بريدة رضي الله تعالى عنه عن النبي انه قال ما حبس قوم الزكاة إلا حبس الله عنهم القطر وعن عائشة رضي الله عنها عن النبي قال ما خالطت الزكاة مالا قط إلا أهلكته وعن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما عن النبي قال من كان عنده ما يزكي ولم يزك ومن كان عنده ما يحج ولم يحج سأل الرجعة يعني قوله تعالى ( رب ارجعون لعلي أعمل صالحا فيما تركت
    ولنلحق بهذا الفصل ذكر شيء من الصدقة وفضلها وما جاء فيها وما أعد الله تعالى للمتصدقين من الأجر والثواب ودفع البلاء قال الله تعالى ( إن الله يجزي المتصدقين ) وقال تعالى ( والمتصدقين والمتصدقات ) الآية والآيات الكريمة في ذلك كثيرة والأحاديث الصحيحة فيه مشهورة وروي الترمذي في جامعه بسنده عن عبد الله ابن عمرو بن العاص رضي الله عنهما قال قال رسول الله خير الأصحاب عند الله خيرهم لصاحبه وخير الجيران عند الله خيرهم لجاره وفي صحيح مسلم وموطأ مالك وجامع الترمذي عن ابي هريرة رضي الله عنه قال قال رسول الله ما نقص مال من صدقة أو قال ما نقصت صدقة من مال وما زاد الله عبدا بعفو إلا عزا وما تواضع عبد إلا رفعه الله تعالى
    -------------------------------------
    المستطرف [ جزء 1 - صفحة 24 ]
    ودخلت امرأة شلاء على عائشة رضي الله عنها فقالت كان أبي يحب الصدقة وأمي تبغضها لم تتصدق في عمرها إلا بقطعة شحم وخلقة فرأيت في المنام كأن القيامة قد قامت وكأن أمي قد غطت عورتها بالخلقة وفي يدها الشحمة تلحسها من العطش فذهبت إلى أبي وهو على حافة حوض يسقي الناس فطلبت منه قدحا من ماء فسقيت أمي فنوديت من فوقي ألا من سقاها فشل الله يدها فانتبهت كما ترين
    ووقف سائل على امرأة وهي تتعشى فقامت فوضعت لقمة في فيه ثم بكرت إلى زوجها في مزرعته فوضعت ولدها عنده وقامت لحاجة تريد قضاءها فاختلسه الذئب فوقفت وقالت يا رب ولدي فأتاها آت فأخذ بعنق الذئب فاستخرجت ولدها من غير أذى ولا ضرر فقال لها هذه اللقمة بتلك اللقمة التي وضعتها في فم السائل
    وعشش ورشان في شجرة في دار رجل فلما همت أفراخه بالطيران زينت امرأة ذلك الرجل له أخذ أفراخ ذلك الورشان ففعل ذلك مرارا وكلما فرخ الورشان أخذوا أفراخه فشكا الورشان ذلك إلى سليمان عليه السلام وقال يا رسول الله أردت أن يكون لي أولاد يذكرون الله تعالى من بعدي فأخذها الرجل بأمر امرأته ثم أعاد الورشان الشكوى فقال سليمان لشيطانين إذا رأيتماه يصعد الشجرة فشقاه نصفين فلما أراد الرجل أن يصعد الشجرة اعترضه سائل فأطعمه كسرة من خبز شعير ثم صعد وأخذ الأفراخ على عادته فشكا الورشان ذلك إلى سليمان عليه السلام فقال للشيطانين ألم تفعلا ما أمرتكما به فقال اعترضنا ملكان فطرحانا في الخافقين
    وقال النخعي كانوا يرون أن الرجل المظلوم إذا تصدق بشيء دفع عنه البلاء وكان الرجل يضع الصدقة في يد الفقير ويتمثل قائما بين يديه ويسأله قبولها حتى يكون هو في صورة السائل وقال
    -------------------------------------
    المستطرف [ جزء 1 - صفحة 25 ]
    رسول الله الصدقة تسد سبعين بابا من الشر وعنه قال ردوا صدمة البلاء ولو بمثل رأس الطائر من طعام وروي عنه انه قال ردوا مذمة السائل ولو بظلف محرق وعنه أيضا اتقو النار ولو بشق تمرة وقال عيسى صلوات الله وسلامه عليه من رد سائلا خائبا لم تغش الملائكة ذلك البيت سبعة أيام وكان نبينا محمد يناول المسكين بيده وعنه ما من مسلم يكسو مسلما ثوبا إلا كان في حفظ الله ما كانت عليه منه رقعة وقال عبد العزيز بن عمير الصلاة تبلغك نصف الطريق والصوم يبلغك باب الملك والصدقة تدخلك عليه وعن الربيع بن خيثم أنه خرج في ليلة شاتية وعليه برنس خز فرأى سائلا فأعطاه إياه وتلا قوله تعالى ( لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون ) وروي عن رسول الله أنه قال لا يرد القضاء إلا الدعاء ولا يزيد في العمر إلا البر وإن سوء الخلق شؤم وحسن الملكة نماه والصدقة تدفع ميتة السوء وقال يحيى بن معاذ ما أعرف حبة تزن جبال الدنيا إلا من الصدقة وعن عمر رضي الله عنه أن الأعمال تباهت فقالت الصدقة أنا أفضلكن وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله قال تداركوا الهموم والغموم بالصدقات يدفع الله ضركم وينصركم على عدوكم وعن عبيد بن عمير قال يحشر الناس يوم القيامة أجوع ما كانوا قط وأعطش ما كانوا قط فمن أطعم الله أشبعه الله ومن سقى لله سقاه الله ومن كسا لله كساه الله وقال الشعبي من لم ير نفسه إلى ثواب الصدقة أحوج من الفقير إلى صدقته فقد أبطل صدقته وضرب بها وجهه وكان الحسن بن صالح إذا جاءه سائل فإن كان عنده ذهب أو فضة أو طعام أعطاه فإن لم يكن عنده من ذلك شيء أعطاه دهنا أو غيره مما ينتفع به فإن لم يكن عنده شيء أعطاه كحلا أو أخرج إبرة وخيطا فرقع بهما ثوب السائل
    -------------------------------------
    المستطرف [ جزء 1 - صفحة 26 ]
    ووجه رجل ابنه في تجارة فمضت أشهر ولم يقع له على خبر فتصدق برغيفين وأرخ ذلك اليوم فلما كان بعد سنة رجع ابنه سالما رابحا فسأله أبوه هل أصابك في سفرك بلاء قال نعم غرقت السفينة بنا في وسط البحر وغرقت في جملة الناس وإذا بشابين أخذاني فطرحاني على الشط وقالا لي قل لوالدك هذا برغيفين فكيف لو تصدقت بأكثر من ذلك وقال علي رضي الله تعالى عنه وكرم الله وجهه إذا وجدت من أهل الفاقة من يحمل لك زادك فيوافيك به حيث تحتاج أليه فاغتنم حمله إياه ولله در القائل حيث قال
    ( يبكي على الذاهب من ماله ... وإنما يبقي الذي يذهب )
    وحكي أن رجلا عبد الله سبعين سنة فبينما هو في معبده ذات ليلة إذ وقفت به امرأة جميلة فسألته أن يفتح لها وكانت ليلة شاتية فلم يلتفت إليها وأقبل على عبادته فولت المرأة فنظر إليها فأعجبته فملكت قلبه وسلبت لبه فترك العبادة وتبعها وقال إلى أين فقالت إلى حيث أريد فقال هيهات صار المراد مريدا والأحرار عبيدا ثم جذبها فأدخلها مكانه فأقامت عنده سبعة أيام فعند ذلك تذكر ما كان فيه من العبادة وكيف باع عبادة سبعين سنة بمعصية سبعة أيام فبكى حتى غشي عليه فلما أفاق قالت له يا هذا والله أنت ما عصيت الله مع غيري وأنا ما عصيت الله مع غيرك وإني أرى في وجهك أثر الصلاح فبالله عليك إذا صالحك مولاك فاذكرني قال فخرج هائما على وجهه فآواه الليل إلى خربة فيها عشرة عميان وكان بالقرب منهم راهب يبعث إليهم في كل ليلة بعشرة أرغفة فجاء غلام الراهب على عادته بالخبز فمد ذلك الرجل العاصي يده فأخذ رغيفا فبقي منهم رجلا لم يأخذ شيئا فقال أين رغيفي فقال الغلام قد فرقت عليكم العشرة فقال أبيت طاويا فبكى الرجل العاصي وناول الرغيف لصاحبه وقال لنفسه أنا أحق أن أبيت طاويا لأنني عاص وهذا مطيع فنام واشتد به الجوع حتى أشرف على الهلاك
    -------------------------------------
    المستطرف [ جزء 1 - صفحة 27 ]
    فأمر الله تعالى ملك الموت بقبض روحه فاختصمت فيه ملائكة الرحمة وملائكة العذاب فقالت ملائكة الرحمة هذا رجل فر من ذنبه وجاء طائعا وقالت ملائكة العذاب بل هو رجل عاص فأوحى الله تعالى إليهم أن زنوا عبادة السبعين سنة بمعصية السبع ليال فوزنوها فرجحت المعصية على عبادة السبعين سنة فأوحى الله إليهم أن زنوا معصية السبع ليال بالرغيف الذي آثر به على نفسه فوزنوا ذلك فرجح الرغيف فتوفته ملائكة الرحمة وقبل الله توبته
    وحكي أن رجلا جلس يوما يأكل هو وزوجته وبين أيديهما دجاجة مشوية فوقف سائل ببابه فخرج إليه وانتهره فذهب فاتفق بعد ذلك أن الرجل افتقر وزالت نعمته وطلق زوجته وتزوجت بعده برجل آخر فجلس يأكل معها في بعض الأيام وبين أيديهما دجاجة مشوية وإذا بس


    _________________
    ربنا افتح بيننا وبين قومنا بالحق وانت خير الفاتحين


    التوقيع مهداه من الاستاذ العراقى الكبير الخطاط جاسم النجفى
    avatar
    توفيق حجازى
    Admin

    عدد المساهمات : 682
    تاريخ التسجيل : 04/05/2010
    العمر : 58

    تابع

    مُساهمة  توفيق حجازى في الخميس يونيو 17, 2010 5:04 pm

    وروي في صحيح النسائي عنه أيضا أنه قال إذا جاء رمضان فتحت أبواب الجنة وغلقت أبواب جهنم وسلسلت الشياطين وروي الزهري أن تسبيحة واحدة في شهر رمضان أفضل من ألف تسبيحة في غيره وروي عن قتادة أنه كان يقول من لم يغفر له في شهر رمضان فلن يغفر له في غيره وقال رسول الله لو يعلم الناس ما في شهر رمضان من الخير لتمنت أمتي أن يكون رمضان السنة كلها ولو أذن الله للسموات والأرض أن تتكلما لشهدتا لمن صام رمضان بالجنة وقال ليس من عبد يصلي في ليلة من شهر رمضان إلا كتب الله له بكل ركعة ألفا وخمسمائة حسنة وبنى له بيتا في الجنة من ياقوتة


    -------------------------------------

    المستطرف [ جزء 1 - صفحة 29 ]


    حمراء لها سبعون ألف باب لكل باب منها مصراعان من ذهب وله بكل سجدة يسجدها شجرة يسير الراكب في ظلها مائة عام وقال إن لكل صائم دعوة فإذا أراد أن تقبل فليقل في كل ليلة عند فطره يا واسع المغفرة اغفر لي وعن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه من صام يوما من رمضان خرج من ذنوبه كيوم ولدته أمه فإذا انسلخ عنه الشهر وهو حي لم يكتب عليه خطيئة حتى الحول ومن عطش نفسه لله في يوم شديد الحر من أيام الدنيا كان حقا على الله أن يرويه يوم القيامة وقال بعضهم الصيام زكاة البدن ومن صام الدهر فقد وهب نفسه لله تعالى وروي في صحيح مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي قال الصلوات الخمس والجمعة إلى الجمعة ورمضان إلى رمضان مكفرات لما بينهن ما اجتنبت الكبائر وعنه أنه قال صيام ثلاثة أيام من كل شهر كصيام الدهر وهي الأيام البيض وهي الثالث عشر والرابع عشر والخامس عشر من كل شهر وفي صحيح البخاري عن ابي سلمة عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي أنه قال من صام رمضان إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه
    وفضل الصوم غزير لأنه خصه الله تعالى بالإضافة إليه كما ثبت في الصحيح من الحديث عن النبي أنه قال مخبرا عن ربه عز وجل كل عمل ابن آدم له إلا الصوم فإنه لي وأنا أجزي به وقد يكتفي في فضله بهذا الحديث الجليل وحسبنا الله ونعم الوكيل
    الفصل الخامس في الحج وفضله
    قال الله تعالى ( ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا وقال رسول الله من خرج من بيته حاجا أو معتمرا فمات أجرى الله له أجر الحاج والمعتمر إلى يوم القيامة


    -------------------------------------

    المستطرف [ جزء 1 - صفحة 30 ]


    وقال من استطاع الحج ولم يحج فليمت إن شاء يهوديا وإن شاء نصرانيا وفي الحديث إن من الذنوب ذنوبا لا يكفرها إلا الوقوف بعرفة وفيه أعظم الناس ذنوبا من وقف بعرفة فظن أن الله لم يغفر له وهو أفضل يوم في الدنيا وفي الخبر إن الحجر الأسود ياقوتة من يواقيت الجنة وأنه يبعثه الله يوم القيامة وله عينان ولسان ينطق به يشهد لمن استلمه بحق وصدق وجاء في الحديث الصحيح أن آدم عليه الصلاة والسلام لما قضي مناسكة لقيته الملائكة فقالوا يا آدم لقد حججنا هذا البيت قبلك بألفي عام وقال مجاهد أن الحجاج إذا قدموا مكة لحقتهم الملائكة فسلموا على ركبان الإبل وصافحوا ركبان الحمر واعتنقوا المشاة اعتناقا وكان من سنة السلف رضي الله عنهم أن يشيعوا الغزاة ويستقبلوا الحجاج ويقبلوهم بين أعينهم ويسألوهم الدعاء لهم ويبادروا ذلك قبل أن يتدنسوا بالآثام وعن النبي أن الله قد وعد هذا البيت أن يحجه كل سنة ستمائة ألف فإن نقصوا كملهم الله تعالى من الملائكة وإن الكعبة تحشر كالعروس المزفوفة فكل من حجها يتعلق بأستارها ويسعى حولها حتى تدخل الجنة فيدخل معها
    وحكي أن جميلة الموصلية بنت ناصر الدولة أبي محمد بن حمدان حجت سنة ست وثمانين وثلاثمائة فصارت تاريخا مذكورا قيل إنها سقت أهل الموسم كلهم السويق بالطبرزد والثلج واستصحبت البقول المزروعة في المراكن على الجمال وأعدت خمسمائة راحلة للمنقطعين ونثرت على الكعبة عشرة آلاف دينار ولم تستصبح فيها وعندها إلا بشموع العنبر وأعتقت ثلاثمائة عبد ومائتي جارية وأغنت الفقراء والمجاورين ولما بنى آدم عليه الصلاة والسلام البيت وقال يا رب إن لكل عامل أجرا فما أجر عملي قال إذا طفت به غفرت لك ذنوبك قال زدني قال جعلته قبلة لك ولأولادك قال يا رب زدني قال أغفر لكل من استغفرني من الطائفين به من أهل التوحيد من أولادك قال يا رب حسبي وفي الحديث الحج المبرور ليس


    -------------------------------------

    المستطرف [ جزء 1 - صفحة 31 ]


    له جزاء إلا الجنة وقيل للحسن ما الحج المبرور قال أن ترجع زاهدا في الدنيا راغبا في الآخرة
    وأول من كسا الكعبة الديباج عبد الله بن الزبير وكانت كسوتها المسوح والإنطاع وكان يطيبها حتى يوجد ريحها من خارج الحرم وكان حكيم بن حزام يقيم عشية عرفه مائة بدنة ومائة رقبة فيعتق الرقاب عشية عرفة وينحر البدن يوم النحر وكان يطوف بالبيت فيقول لا إله إلا الله وحده لا شريك له نعم الرب ونعم الإله أحبه وأخشاه
    ورؤي الحسن بن علي رضي الله عنهما يطوف بالبيت ثم صار إلى المقام فصلى ركعتين ثم وضع خده على المقام فجعل يبكي ويقول عبيدك ببابك خويدمك ببابك سائلك ببابك مسيكينك ببابك يردد ذلك مرارا ثم انصرف رضي الله عنه فمر بمساكين معهم فلق خبز يأكلون فسلم عليهم فدعوه إلى الطعام فجلس معهم وقال لولا أنه صدقة لأكلت معكم ثم قال قوموا بنا إلى منزلي فتوجهوا معه فأطعمهم وكساهم وأمر لهم بدراهم
    وحج عبد الله بن جعفر رضي الله عنه ومعه ثلاثون راحلة وهو يمشي على رجليه حتى وقف بعرفات فأعتق ثلاثين مملوكا وحملهم على ثلاثين راحلة وأمر لهم بثلاثين ألفا وقال أعتقهم لله تعالى لعله يعتقني من النار وقال الحسن بن علي رضي الله عنهما إني لأستحي من ربي أن ألقاه ولم أمش إلى بيته فمشى من المدينة إلى مكة عشرين مرة
    ومن لطيف ما أنشد عمرو بن حبان الضرير حين لم يهد إليه الحجاج شيئا
    ( كأن الحجيج الآن لم يقربوا منى ... ولم يحملوا منها سواكا ولا نعلا )
    ( أتونا فما جادوا بعود أراكة ... ولا وضعوا في كف طفل لنا نقلا )


    -------------------------------------

    المستطرف [ جزء 1 - صفحة 32 ]


    وقال غيره
    ( يحجون بالمال الذي يجمعونه ... حراما إلى البيت العتيق المحرم )
    ( ويزعم كل منهمو أن وزره ... يحط ولكن فوقه في جهنم )
    وقال آخر
    ( حج في الدهر حجة ... حج فيها وأحرما )
    ( وأتانا من الحجاز ... ز كما راح محرما )
    ( فهو ذو الحجة الذي ... ما توقى محرما )
    وتخاصم بدوي مع حاج عند منصرف الناس فقيل له أتخاصم رجلا من الحجاج فقال
    ( يحج لكيما يغفر الله ذنبه ... ويرجع قد حطت عليه ذنوب )
    وقال أبو الشمقمق
    ( إذا حججت بمال أصله دنس ... فما حجت ولكن حجت العير )
    ( ما يقبل الله إلا كل طيبة ... ما كل من حج بيت الله مبرور ) والله سبحانه وتعالى أعلم


    -------------------------------------

    المستطرف [ جزء 1 - صفحة 33 ]


    الباب الثاني في العقل والذكاء والحمق وذمه وغير ذلك
    نص الله سبحانه وتعالى في محكم كتابه العزيز ومنزل خطابه الوجيز على شرف العقل وقد ضرب الله سبحانه وتعالى الأمثال وأوضحها وبين بدائع مصنوعاته وشرحها فقال تعالى ( وسخر لكم الليل والنهار والشمس والقمر والنجوم مسخرات بأمره إن في ذلك لآيات لقوم يعقلون ) وروي عن النبي أنه قال أول ما خلق الله تعالى العقل فقال له أقبل فأقبل ثم قال له أدبر فأدبر فقال عز من قائل وعزتي وجلالي ما خلقت خلقا أعز علي منك بك آخذ وبك أعطي وبك أحاسب وبك أعاقب وقال أهل المعرفة والعلم العقل جوهر مضيء خلقه الله عز وجل في الدماغ وجعل نوره في القلب يدرك به المعلومات بالوسائط والمحسوسات بالمشاهدة
    واعلم أن العقل ينقسم إلى قسمين قسم لا يقبل الزيادة والنقصان وقسم يقبلهما فأما الأول فهو العقل الغريزي المشترك بين العقلاء وأما الثاني فهو العقل التجريبي وهو مكتسب وتحصل زيادته بكثرة التجارب والوقائع وباعتبار هذه الحالة يقال أن الشيخ أكمل عقلا وأتم دراية وإن صاحب التجارب أكثر فهما وأرجح معرفة ولهذا قيل من بيضت الحوادث سواد لمته وأخلقت التجارب لباس جدته وأراه الله تعالى لكثرة ممارسته تصاريف أقداره وأقضيته كان جديرا برزانة العقل ورجاحة الدراية وقد يخص الله تعالى بألطافه الخفية من يشاء من عباده


    -------------------------------------

    المستطرف [ جزء 1 - صفحة 34 ]


    فيفيض عليه من خزائن مواهبه رزانة عقل وزيادة معرفة تخرجه عن حد الاكتساب ويصير بها راجحا على ذوي التجارب والآداب ويدل على ذلك قصة يحيى بن زكريا عليهما السلام فيما أخبر الله تعالى به في محكم كتابه العزيز حيث يقول ( وآتيناه الحكم صبيا ) فمن سبقت له سابقة من الله تعالى في قسم السعادة وأدركته عناية أزلية أشرقت على باطنه أنوار ملكوتية وهداية ربانية فاتصف بالذكاء والفطنة قلبه وأسفر عن وجه الإصابة ظنه وإن كان حديث السن قليل التجربة كما نقل في قصة سليمان بن داود عليهما السلام وهو صبي حيث رد حكم أبيه داود عليه السلام في أمر الغنم والحرث
    وشرح ذلك فيما نقله المفسرون أن رجلين دخلا على داود عليه السلام أحدهما صاحب غنم والآخر صاحب حرث فقال أحدهما إن هذا دخلت غنمه بالليل إلى حرثي فأهلكته وأكلته ولم تبق لي فيه شيئا فقال داود عليه السلام الغنم لصاحب الحرث عوضا عن حرثه فلما خرجا من عنده مرا على سليمان عليه السلام وكان عمره إذ ذاك على ما نقله أئمة التفسير إحدى عشر سنة فقال لهما ما حكم بينكما الملك فذكرا له ذلك فقال غير هذا أرفق بالفريقين فعادا إلى داود عليه السلام وقالا له ما قاله ولده سليمان عليه السلام فدعاه داود عليه السلام وقال له ما هو الأرفق بالفريقين فقال سليمان تسلم الغنم إلى صاحب الحرث وكان الحرث كرما قد تدلت عناقيده في قول أكثر المفسرين فيأخذ صاحب الكرم الأغنام يأكل لبنها وينتفع بدرها ونسلها ويسلم الكرم إلى صاحب الأغنام ليقوم به فإذا عاد الكرم إلى هيئته وصورته التي كان عليها ليلة دخلت الغنم إليه سلم صاحب الكرم الغنم إلى صاحبها وتسلم كرمه كما كان بعناقيده وصورته فقال له داود القضاء كما قلت وحكم به كما قال سليمان عليه السلام وفي هذه القصة نزل قوله تعالى ( وداود وسليمان إن يحكمان في


    -------------------------------------

    المستطرف [ جزء 1 - صفحة 35 ]


    الحرث إذ نفشت فيه غنم القوم وكنا لحكمهم شاهدين ففهمناها سليمان وكلا آتينا حكما وعلما ) فهذه المعرفة والدراية لم تحصل لسليمان بكثرة التجربة وطول المدة بل حصلت بعناية ربانية وألطاف إلهية وإذا قذف الله تعالى شيئا من أنوار مواهبه في قلب من يشاء من خلقه اهتدى إلى مواقع الصواب ورجح على ذوي التجارب والاكتساب في كثير من الأسباب ويستدل على حصول كمال العقل في الرجل بما يوجد منه وما يصدر عنه فإن العقل معنى لا يمكن مشاهدته فإن المشاهدة من خصائص الأجسام فأقول يستدل على عقل الرجل بأمور متعددة منها ميله إلى محاسن الأخلاق وإعراضه عن رذائل الأعمال ورغبته في إسداء صنائع المعروف وتجنبه ما يكسبه عارا ويورثه سوء السمعة وقد قيل لبعض الحكماء بم يعرف عقل الرجل فقال بقلة سقطه في الكلام وكثرة إصابته فيه فقيل له فإن كان غائبا فقال بإحدى ثلاث إما برسوله وإما بكتابه وإما بهديته فإن رسوله قائم مقام نفسه وكتابه يصف نطق لسانه وهديته عنوان همته فبقدر ما يكون فيها من نقص يحكم به على صاحبها وقيل من أكبر الأشياء شهادة على عقل الرجل حسن مداراته للناس ويكفي أن حسن المداراة يشهد لصاحبه بتوفيق الله تعالى إياه فإنه روي عن النبي أنه قال من حرم مداراة الناس فقد حرم التوفيق فمقتضاه أن من رزق المداراة لم يحرم التوفيق وقالوا العاقل الذي يحس المداراة مع أهل زمانه وقال رسول الله الجنة مائة درجة تسعة وتسعون منها لأهل العقل وواحدة لسائر الناس وقال علي بن عبيدة العقل ملك والخصال رعية فإذا ضعف عن القيام عليها وصل الخلل إليها فسمعه أعرابي فقال هذا كلام يقطر عسله وقيل بأيدي العقول تمسك أعنة النفوس وكل شيء إذا كثر رخص إلا العقل فإنه كلما كثر غلا وقيل لكل شيء غاية وحد والعقل لا غاية له ولا حد ولكن


    -------------------------------------

    المستطرف [ جزء 1 - صفحة 36 ]


    الناس يتفاوتون فيه تفاوت الأزهار في المروج واختلف الحكماء في ماهيته فقال قوم هو نور وضعه الله طبعا وغريزة في القلب كالنور في العين وهو يزيد وينقص ويذهب ويعود وكما يدرك بالبصر شواهد الأمور كذلك يدرك بنور القلب المحجوب والمستور وعمى القلب كعمى البصر قال الله تعالى ( فإنها لا تعمى الأبصار ولكن تعمي القلوب التي في الصدور ) وقيل محل العقل الدماغ وهو قول أبو حنيفة رحمه الله تعالى وذهب جماعة إلى أنه في القلب كما روي عن الشافعي رحمه الله تعالى واستدلوا بقوله تعالى ( فتكون لهم قلوب يعقلون بها ) وبقوله تعالى ( إن في ذلك لذكرى لمن كان له قلب ) أي عقل وقالوا التجربة مرآة العقل ولذلك حمدت أراء المشايخ حتى قالوا المشايخ أشجار الوقار لا يطيش لهم سهم ولا يسقط لهم فهم وعليكم بآراء الشيوخ فإنهم إن عدموا ذكاء الطبع فقد أفادتهم الأيام حيلة وتجربة قال الشاعر
    ( ألم تر أن العقل زين لأهله ... ولكن تمام العقل طول التجارب )
    وقال آخر
    ( إذا طال عمر المرء في غير آفة ... أفادت له الأيام في كرها عقلا )
    وقال عامر بن عبد قيس إذا عقلك عقلك عما لا يعنيك فأنت عاقل ويقال لا شرف إلا شرف العقل ولا غنى إلا غنى النفس وقيل يعيش العاقل بعقله حيث كان كما يعيش الأسد بقوته حيث كان قال الشاعر
    ( إذا لم يكن للمرء عقل فإنه ... وإن كان ذا بيت على الناس هين )
    ( ومن كان ذا عقل أجل لعقله ... وأفضل عقل من يتدين )


    -------------------------------------

    المستطرف [ جزء 1 - صفحة 37 ]


    وقالوا العاقل لا تبطره المنزلة السنية كالجبل لا يتزعزع وإن اشتدت عليه الريح والجاهل تبطره أدنى منزلة كالحشيش يحركه أدنى ريح وقيل لعلي رضي الله عنه صف لنا العاقل قال هو الذي يضع الشيء مواضعه قيل فصف لنا الجاهل قال قد فعلت يعني الذي لا يضع الشيء مواضعه وقال المنصور لولده خذ عني ثنتين لا تقل من غير تفكير ولا تعمل بغير تدبير وقال أدرشير أربعة تحتاج إلى أربعة الحسب إلى الأدب والسرور إلى الأمن والقرابة إلى المودة والعقل إلى التجربة وقال كسرى أنو شروان أربعة تؤدي إلى أربعة العقل إلى الرياسة والرأي إلى السياسة والعلم إلى التصدير والحلم إلى التوقير وقال القاسم بن محمد من لم يكن عقله أغلب الخصال عليه كان حتفه من أغلب الخصال عليه وقيل أفضل العقل معرفة العاقل بنفسه وقيل ثلاثة هن رأس العقل مداراة الناس والاقتصاد في المعيشة والتجبب إلى الناس وقيل من أعجب برأي نفسه بطل رأيه ومن ترك الاستماع من ذوي العقول مات عقله وعن عمرو ابن العاص رضي الله تعالى عنه أنه قال أهل مصر أعقل الناس صغارا وارحمهم كبارا وقيل العاقل المحروم خير من الأحمق المرزوق وقيل لا ينبغي للعاقل أن يمدح امرأة حتى تموت ولا طعاما حتى يستمرئه ولا يثق بخليل حتى يستقرضه وقيل طول اللحية أمان من العقل وسئل بعضهم أيما أحمد في الصبا الحياء أم الخوف قال الحياء لأن الحياء يدل على العقل والخوف يدل على الخبن وقيل غضب العاقل على فعله وغضب الجاهل على قوله وقال أبو الدرداء رضي الله تعالى عنه قال لي رسول الله يا عويمر ازدد عقلا تزدد من الله تعالى قربا قلت بأبي وأمي ومن لي بالعقل قال اجتنب محارم الله تعالى وأد فرائض الله تعالى تكن عاقلا ثم تنقل إلى صالح الأعمال تزدد في الدنيا عقلا وتزدد من الله قربا وعزا وحكى بعض أهل المعرفة قال حياة النفس بالروح وحياة الروح بالذكر وحياة القلب


    _________________
    ربنا افتح بيننا وبين قومنا بالحق وانت خير الفاتحين


    التوقيع مهداه من الاستاذ العراقى الكبير الخطاط جاسم النجفى
    avatar
    توفيق حجازى
    Admin

    عدد المساهمات : 682
    تاريخ التسجيل : 04/05/2010
    العمر : 58

    تابع

    مُساهمة  توفيق حجازى في الخميس يونيو 17, 2010 5:06 pm

    المستطرف [ جزء 1 - صفحة 38 ]


    بالعقل وحياة العقل بالعلم ويروي عن علي بن ابي طالب كرم الله وجهه أنه كان ينشد هذه الأبيات ويترنم بها
    ( إن المكارم أخلاق مطهرة ... فالعقل أولها والدين ثانيها )
    ( والعلم ثالثها والحلم رابعها ... والجود خامسها والعرف ساديها )
    ( والبر سابعها والصبر ثامنها ... والشكر تاسعها واللين عاشيها )
    ( والعين تعلم من عيني محدثها ... إن كان من حزبها أو من أعاديها )
    ( والنفس تعلم أني لا أصدقها ... ولست أرشد إلا حين أعصيها )
    وقال بعض الحكماء العاقل من عقله في إرشاد ورأيه في إمداد فقوله سديد وفعله حميد والجاهل من جهله في إغراء فقوله سقيم وفعله ذميم ولا يكتفي في الدلالة على عقل الرجل الاغترار بحسن ملبسه وملاحة سمته وتسريح لحيته وكثرة صلفته ونظافة بزته إذ كم من كنيف مبيض وجلد مفضض وقد قال الأصمعي رأيت بالبصرة شيخا له منظر حسن وعليه ثياب فاخرة وحوله حاشية وهرج وعنده دخل وخرج فأردت أن اختبر عقله فسلمت عليه وقلت ما كنية سيدنا فقال أبو عبد الرحمن الرحيم مالك يوم الدين قال الأصمعي فضحكت منه وعلمت قلة عقله وكثرة جهله ولم يدفع ذلك عنه غرارة خرجه ودخله وقد يكون الرجل موسوما بالعقل مرموقا بعين الفضل فيصدر منه حالة تكشف عن حقيقة حاله وتشهد عليه بقلة عقله واختلاله وقيل إن إياس بن معاوية القاضي كان من أكابر العقلاء وكان عقله يهديه إلى سلوك طرق لا يكاد يسلكها من لم يهتد إليها فكان من جملة الوقائع التي صدرت منه وشهدت له بالعقل الراجح والفكر القادح أنه كان في زمانه رجل مشهور بين الناس بالأمانة فاتفق أن رجلا أراد أن يحج فأودع عند ذلك الرجل الأمين كيسا فيه جملة من الذهب ثم حج فلما عاد من حجه جاء إلى ذلك الرجل وطلب


    -------------------------------------

    المستطرف [ جزء 1 - صفحة 39 ]


    كيسه منه فأنكره وجحده فجاء إلى القاضي إياس وقص عليه القصة فقال القاضي هل أخبرت بذلك أحدا غيري قال لا قال فهل علم الرجل أنك أتيت إلي قال لا قال انصرف وأكتم أمرك ثم عد إلي بعد غد فانصرف ثم إن القاضي دعا ذلك الرجل المستودع فقال قد حصل عندي أموال كثيرة ورأيت أن أودعها عندك فاذهب وهيىء لها موضعا حصينا فمضى ذلك الرجل وحضر صاحب الوديعة بعد ذهاب الرجل فقال له القاضي إياس امض إلى خصمك واطلب منه وديعتك فإن جحدك فقل له امض معي إلى القاضي إياس أتحاكم أنا وأنت عنده فلما جاء إليه دفع إليه وديعته فجاء إلى القاضي وأعلمه بذلك ثم إن ذلك الرجل المستودع جاء إلى القاضي طامعا في تسليم المال فسبه القاضي وطرده وكانت هذه الواقعة مما تدل على عقله وصحة فكره ولما مات بعض الخلفاء اختلفت الروم واجتمعت ملوكها فقال الآن يشتغل المسلمون بعضهم ببعض فتمكننا الغرة منهم والوثبة عليهم وعقدوا لذلك المشورات وتراجعوا فيه بالمناظرات وأجمعوا على أنه فرصة الدهر وكان رجل منهم من ذوي العقل والمعرفة والرأي غائبا عنهم فقالوا من الحزم عرض الرأي عليه فلما أخبروه بما أجمعوا عليه قال لا أرى ذلك صوابا فسألوه عن علة ذلك فقال في غد أخبركم إن شاء الله تعالى فلما أصبحوا أتوا إليه وقالوا قد وعدتنا أن تخبرنا في هذا اليوم بما عولنا عليه فقال سمعا وطاعة وأمر بإحضار كلبين عظيمين كان قد أعدهما ثم حرض بينهما وحرض كل واحد منهما على الآخر فتواثبا وتهارشا حتى سالت دماؤهما فلما بلغا الغاية فتح باب بيت عنده وارسل على الكلبين ذئبا كان قد أعده لذلك فلما أبصراه تركا ما كانا عليه وتألفت قلوبهما ووثبا جميعا على الذئب فقتلاه فأقبل الرجل على أهل الجمع فقال مثلكم مع المسلمين مثل هذا الذئب مع الكلاب لا يزال الهرج بين المسلمين ما لم يظهر لهم عدو من غيرهم فإذا ظهر


    -------------------------------------

    المستطرف [ جزء 1 - صفحة 40 ]


    تركوا العداوة بينهم وتألفوا على العدو فاستحسنوا قوله واستصوبوا رأيه فهذه صفة العقلاء
    وأما ذم الأحمق فقد قال ابن الأعرابي الحماقة مأخوذة من حمقت السوق إذا كسدت فكأنه كاسد العقل والرأي فلا يشاور ولا يلتفت إليه في أمر من الأمور والحق غريزة لا تنفع فيها الحيلة وهو داء دواؤه الموت قال الشاعر
    ( لكل داء دواء يستطب به ... إلا الحماقة أعيت من يداويها )
    والحمق مذموم قال رسول الله الأحمق أبغض الخلق إلى الله تعالى إذ حرمه أعز الأشياء عليه وهو العقل ويستدل على صفة الأحمق من حيث الصورة بطول اللحية لأن مخرجها من الدماغ فمن افرط طول لحيته قل دماغه ومن قل دماغه قل عقله ومن قل عقله فهو أحمق وأما صفته من حيث الأفعال فترك نظره في العواقب وثقته بمن لا يعرفه والعجب وكثرة الكلام وسرعة الجواب وكثرة الالتفات والخلو من العلم والعجلة والخفة والسفه والظلم والغفلة والسهو والخيلاء إن استغنى بطر وإن افتقر قنط وإن قال أفحش وإن سئل بخل وإن سأل ألح وإن قال لم يحسن وإن قيل له لم يفقه وإن ضحك قهقه وإن بكى صرخ وإن اعتبرنا هذه الخلال وجدناها في كثير من الناس فلا يكاد يعرف العاقل من الأحمق قال عيسى عليه السلام عالجت الأبرص والأكمة فأبرأتهما وعالجت الأحمق فأعياني والسكوت عند الأحمق جوابه ونظر بعض الحكماء إلى أحمق على حجر فقال حجر على حجره
    وحكي أن احمقين اصطحبا في طريق فقال أحدهما للآخر تعال نتمن على الله فإن الطريق تقطع بالحديث فقال أحدهما أنا


    -------------------------------------

    المستطرف [ جزء 1 - صفحة 41 ]


    أتمنى قطائع غنم أنتفع بلبنها ولحمها وصوفها وقال الآخر أنا أتمنى قطائع ذئاب أرسلها على غنمك حتى لا تترك منها شيئا قال ويحك أهذا من حق الصحبة وحرمة العشرة فتصايحا وتخاصما واشتدت الخصومة بينهما حتى تماسكا بالأطواق ثم تراضيا من أن أول من يطلع عليهما يكون حكما بينهما فطلع عليهما شيخ بحمار عليه زقان من عسل فحدثاه بحديثهما فنزل بالزقين وفتحهما حتى سال العسل على التراب قال صب الله دمي مثل هذا العسل إن لم تكونا أحمقين
    وعن جابر بن عبد الله رضي الله عنه قال كان رجل يتعبد في صومعة فأمطرت السماء وأعشبت الأرض فرأى حماره يرعي في ذلك العشب فقال يا رب لو كان لك حمار لرعيته مع حماري هذا فبلغ ذلك بعض الأنبياء عليهم الصلاة والسلام فهم أن يدعو عليه فأوحى الله إليه لا تدع عليه فإني أجازي العباد على قدر عقولهم ويقال فلان ذو حمق وافر وعقل نافر ليس معه من العقل إلا ما يوجب حجة الله عليه وخطب سهل هند ابنة عتبة فحمقته فقال
    ( وما هوجي يا هند إلا سجية ... أجر لها ذيلي بحسن الخلائق )
    ( ولو شئت خادعت الفتى عن قلوصه ... ولا طمت في البطحاء من كل طارق )
    ويقال للابله السليم القلب هو من بقر الجنة لا ينطح ولا يرمح والأحمق المؤذي هو من بقر سقر والله سبحانه وتعالى أعلم وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم


    -------------------------------------

    المستطرف [ جزء 1 - صفحة 42 ]


    الباب الثالث في القرآن وفضله وحرمته وما أعد الله تعالى لقارئه من الثواب العظيم والأجر الجسيم
    قال الله تعالى ( ولقد يسرنا القرآن للذكر فهل من مذكر ) وسمى الله تعالى القرآن كريما فقال تعالى ( إنه لقرآن كريم ) وسماه حكيما فقال تعالى ( يس والقرآن الحكيم ) وسماه مجيدا فقال تعالى ( ق والقرآن المجيد ) انذله الله تعالى على سيد الأنام وخاتم الانبياء الكرام عليه وعليهم أفضل الصلاة والسلام فكان من أعظم معجزاته أن اعجز الله الفصحاء عن معارضته وعن الاتيان بآية من مثله قال تعالى ( قل فأتوا بسورة من مثله ) وقال تعالى ( قل لئن اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا بمثل هذا القرآن لا يأتون بمثله ولو كان بعضهم لبعض ظهيرا ) فهو النور المبين والحق المستبين لا شيء أسطع من أعلامه ولا أصدع من أحكامه ولا أفصح من بلاغته ولا أرجح من فصاحته ولا أكثر من إفادته ولا ألذ من تلاوته قال رسول الله القرآن فيه خبر من قبلكم ونبأ من بعدكم وحكم ما بينكم وقال أيضا البيوت بيت صغر من كتاب الله تعالى وقال الشعبي الذي يقرأ القرآن إنما يحدث عن ربه عز وجل ووفد غالب ابن صعصعة على علي بن أبي طالب كرم الله وجهه ومعه ابنه الفرزدق فقال له من أنت قال غالب بن صعصعة قال ذو


    -------------------------------------

    المستطرف [ جزء 1 - صفحة 43 ]


    الإبل الكثيرة قال نعم قال فما فعلت بإبلك قال أذهبتها النوائب وزعزعتها الحقوق قال ذلك خير سبلها ثم قال له يا أبا الأخطل من هذا الذي معك قال ابني وهو شاعر قال علمه القرآن فهو خير له من الشعر فكان ذلك في نفس الفرزدق حتى قيد نفسه وآلى على نفسه ان لا يحل قيده حتى يحفظ القرآن فحفظه في سنة وفي ذلك قال
    ( وما صب رجلي في حديد مجاشع ... مع القيد إلا حاجة لي اريدها )
    وقال أنس رضي الله عنه قال رسول الله يا بني لا تغفل عن قراءة القرآن إذا أصبحت وإذا أمسيت فإن القرآن يحيي القلب الميت وينهي عن الفحشاء والمنكر
    وحكي الزمخشري في كتابه ربيع الأبرار قال ومن حكايات الحشوية ما قيل إن إبراهيم الخواص مر بمصروع فأذن في اذنه فناداه الشيطان من جوفه دعني اقتله فإنه يقول القرآن مخلوق وكان سفيان الثورى رحمه الله تعالى إذا دخل رمضان ترك جميع العبادة وأقبل على قراءة القرآن وكان الإمام مالك بن أنس رحمه الله تعالى إذا دخل شهر رمضان يفر من مذاكرة الحديث ومجالسة أهل العلم ويقبل على القراءة في المصحف وكان أبو حنيفة والشعبي رحمهما الله تعالى يختمان في رمضان ستين ختمه وقال علي رضي الله تعالى عنه من قرأ القرآن فمات فدخل النار فهو ممن كان يتخذ آيات الله هزوا وقال الشعبي اللسان عدل على الأذن والقلب فاقرأ قراءة تسمعها اذنك ويفهمها قلبك وقال رسول الله من قرأ القرآن ثم رأى أن أحدا أوتي فقد استصغر ما عظم الله وعنه أنه قال إن القلوب لتصدأ كما يصدأ الحديد قيل يا رسول الله وما جلاؤها قال قراءة القرآن وذكر الموت وقال عمر بن ميمون من نشر مصحفا حين يصلي الصبح فقرأ مائة آية رفع الله له مثل عمل جميع أهل الدنيا وقال علي كرم الله وجهه من قرأ القرآن وهو قائم في الصلاة كان له بكل حرف مائة حسنة ومن قرأه وهو جالس في الصلاة فله


    -------------------------------------

    المستطرف [ جزء 1 - صفحة 44 ]


    بكل حرف خمسون حسنة ومن قرأه في غير صلاة وهو على وضوء فخمسة وعشرون حسنة ومن قرأه على غير وضوء فعشر حسنات وقال ابن عباس رضي الله عنهما لأن أقرأ البقرة وآل عمران أرتلهما وأتدبرهما أحب إلى من أن أقرأ القرآن كله هذرمة وقال رسول الله اقرؤا القرآن وابكوا فإن لم تبكوا فتباكوا وعن صالح المزني قال قرأت القرآن على رسول الله في المنام فقال لي يا صالح هذه القراءة فأين البكاء وكان عثمان رضي الله عنه يفتتح ليلة الجمعة بالبقرة إلى المائدة وليلة السبت بالأنعام إلى هود وليلة الأحد بيوسف إلى مريم وليلة الأثنين بطه إلى طسم نبأ موسى وفرعون وليلة الثلاثاء بالعنكبوت إلى ص وليلة الأربعاء بتنزيل إلى الرحمن ويختم ليلة الخميس وعن علي رضي الله عنه لا خير في عبادة لا فقه فيها ولا خير في قراءة لا تدبر فيها وكان عكرمة بن أبي جهل رضي الله تعالى عنه ولعن أباه إذا نشر المصحف أغمى عليه ويقول هو كلام ربي وأبطأت عائشة رضي الله عنها على رسول الله ليلة فقال ما حبسك قالت قراءة رجل ما سمعت أحسن صوتا منه فقام فاستمع إليه طويلا ثم قال هذا سالم مولى ابي حذيفة الحمد الله الذي جعل في أمتي مثله وقال ابن عيينة رأيت رسول الله في المنام فقلت يا رسول الله قد اختلفت علي القراآت فعلى قراءة من تأمرني فقال على قراءة أبي عمرو وعن أبي عمرو أني لم أزل أطلب أن أقرأه كما قرأه رسول الله وكما أنزل عليه فقدمت مكة فلقيت بها عدة من التابعين ممن قرأ على الصحابة رضي الله عنهم أجمعين فقرأت عليهم فاشدد بها يدك فينبغي للإنسان أن يحافظ على تلاوة القرآن ليلا ونهارا سفرا وحضرا
    وقال الشيخ محي الدين النووي رحمه الله تعالى في كتابه الإذكار قد كان للسلف رضي الله عنهم عادات مختلفة في القدر الذي يختمون فيه فكانت جماعة منهم يختمون في كل شهر ختمة وآخرون في كل شهر


    -------------------------------------

    المستطرف [ جزء 1 - صفحة 45 ]


    عشر ليال ختمة وآخرون في كل ثلاث ليال ختمة وكان كثيرون في كل يوم وليلة ختمة وختم جماعة في كل يوم وليلة ختمتين وختم بعضهم في اليوم والليلة ثمان ختمات أربعا في الليل وأربعا في النهار وروي أن مجاهدا رحمه الله تعالى كان يختم القرآن في شهر رمضان فيما بين المغرب والعشاء وأما الذين ختموا القرآن في ركعة فلا يحصون لكثرتهم فمنهم عثمان بن عفان وتميم الداري وسعيد بن جبير رضي الله تعالى عنهم وروينا في مسند الإمام المجمع على حفظه وجلاله وإتقانه وبراعته ابي محمد الدارمي رحمه الله عن سعد بنأبي وقاص رضي الله عنه قال إذا وافق ختم القرآن أول الليل صلت عليه الملائكة حتى يصبح وإذا وافق أول النهار صلت عليه الملائكة حتى يمسي قال الدارمي هذا حديث حسن عن سعد وأفضل القراءة ما كان في الصلاة وأما في غير الصلاة فأفضلها قراءة الليل والنصف الأخير منه أفضل من الأول والقراءة بين المغرب والعشاء محبوبة وأما قراءة النهار فأفضلها بعد الصبح ولا كراهة في وقت من الأوقات ولا في أوقات النهي عن الصلاة ويستحب الاجتماع عند الختم لحصول البركة وقيل أن الدعاء يستجاب عند ختم القرآن وإن الرحمة تنزل عند ختمه ويستحب الدعاء عقب الختم استجابا مؤكدا تأكيدا شديدا ويجب على القارىء الإخلاص في قراءته وأن يريد بها وجه الله تعالى أن لا يقصد بها توصلا إلى شيء سوى ذلك وأن يتأدب مع القرآن ويستحضر في ذهنه أنه يناجي ربه سبحانه وتعالى ويتلو كتابه فيقرأ على حالة من يرى الله تعالى فإنه إن لم يكن يراه فإن الله يراه وينبغي للقارىء إذا أراد القراءة أن ينظف فمه بالسواك وأن يكون شأنه الخشوع والتدبر والخضوع فهذا هو المقصود المطلوب وبه تنشرح الصدور ويتيسر المرغوب ودلائله أكثر من أن تحصر وأشهر من أن تذكر وقد كان الواحد من السلف رضي الله عنهم يتلو آية واحدة ليلة كاملة يتدبرها ويستحب البكاء والتباكي لمن لا يقدر على


    -------------------------------------

    المستطرف [ جزء 1 - صفحة 46 ]


    البكاء فإن البكاء عند القراءة صفة العارفين وشعار عباد الله الصالحين قال الله تعالى ( ويخرون للأذقان يبكون ويزيدهم خشوعا ) وقال السيد الجليل صاحب الكرامات والمعارف والمواهب واللطائف إبراهيم الخواص رضي الله تعالى عنه دواء القلب خمسة أشياء قراءة القرآن بالتدبر وخلو البطن وقيام الليل والتضرع عند السحر ومجالسة الصالحين وقد جاءت آثار بفضيلة رفع الصوت بالقراءة وآثار بفضيلة الإسرار قال العلماء إن أراد القارىء بالإسرار بعد الرياء فهو أفضل في حق من يخاف ذلك فإن لم يخف الرياء فالجهر أفضل بشرط أن لا يؤذي غيره من مصل أو نائم أو غيرهما والأحاديث في فضل القراءة وآداب حملة القرآن كثيرة غير محصورة من أراد الزيادة فلينظر في كتاب التبيان في آداب حملة القرآن لشيخ مشايخ الإسلام محي الدين النووي قدس الله روحه ونور ضريحه وقد جاء في فضل القرآن أحاديث كثيرة وروي في فضل قراءة سور من القرآن في اليوم والليلة فضل كبير منها يس وتبارك الملك والواقعة والدخان فعن أبي هريرة رضي الله عنه عن رسول الله أنه قال من قرأ يس في يوم وليلة ابتغاء وجه الله تعالى غفر له وفي رواية له من قرأ سورة الدخان في ليلة أصبح مغفورا له وفي رواية عن ابن عباس وابن مسعود رضي الله عنهم سمعت رسول الله يقول من قرأ سورة الواقعة كل ليلة لم تصبه فاقه وعن جابر رضي الله عنه قال كان رسول الله لا ينام كل ليلة حتى يقرأ ألم تنزيل الكتاب وتبارك الملك وعن أبي هريرة رضي الله عنه انه قال من قرأ في ليلة إذا زلزلت الأرض كانت له كعدل نصف القرآن ومن قرأ قل يا أيها الكافرون كانت له كعدل ربع القرآن ومن قرأ قل هو الله أحد كانت له كعدل الثلث والأحاديث بنحو ما ذكرناه كثيرة وقد أشرنا إلى المقاصد منها والله تعالى أعلم بالصواب وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم


    _________________
    ربنا افتح بيننا وبين قومنا بالحق وانت خير الفاتحين


    التوقيع مهداه من الاستاذ العراقى الكبير الخطاط جاسم النجفى
    avatar
    توفيق حجازى
    Admin

    عدد المساهمات : 682
    تاريخ التسجيل : 04/05/2010
    العمر : 58

    تابع

    مُساهمة  توفيق حجازى في الخميس يونيو 17, 2010 5:11 pm




    الباب الرابع في العلم والأدب وفضل العالم والمتعلم
    قال الله تعالى ( إنما يخشي الله من عباده العلماء ) وقال تعالى ( يرفع الله الذين آمنوا منكم والذين أوتوا العلم درجات ) وعن معاذ بن جبل رضي الله عنه قال قال رسول الله تعلموا العلم فإن تعلمه لله حسنة ودراسته تسبيح والبحث عنه جهاد وطلبه عبادة وتعليمه صدقة وبذله لأهله قربة لأنه معالم الحلال والحرام وبيان سبيل الجنة والمؤنس في الوحشة والمحدث في الخلوة والجليس في الوحدة والصاحب في الغربة والدليل على السراء والمعين على الضراء والزين عند الاخلاء والسلاح على الأعداء بالعلم يبلغ العبد منازل الأخيار في الدرجات العلى ومجالسة الملوك في الدنيا ومرافقة الأبرار في الآخرة والفكر في العلم يعدل الصيام ومذاكرته تعدل القيام وبالعلم توصل الأرحام وتفصل الأحكام وبه يعرف الحلال والحرام وبالعلم يعرف الله ويوحد وبالعلم يطاع الله ويعبد
    قيل العلم درك حقائق الأشياء مسموعا ومعقولا وقال النبي خير الدنيا والآخرة مع العلم وشر الدنيا والآخرة مع الجهل وعنه عليه الصلاة والسلام يوزن مداد العلماء ودماء الشهداء يوم القيامة فلا يفضل أحدهما على الآخر ولغدوة في طلب العلم أحب إلى الله من مائة غزوة ولا يخرج أحد في طلب العلم إلا وملك موكل به يبشر بالجنة ومن مات وميراثه المحابر والأقلام دخل الجنة


    -------------------------------------

    المستطرف [ جزء 1 - صفحة 48 ]


    وقال علي كرم الله وجهه أقل الناس قيمة أقلهم علما وقال أيضا رضي الله عنه العلم نهر والحكمة بحر العلماء حول النهر يطوفون والحكماء وسط البحر يغوصون والعارفون في سفن النجاة يسيرون وقال موسى عليه السلام في مناجاته إلهي من أحب الناس إليك قال عالم يطلب علما وقال بعض السلف رضي الله عنهم العلوم أربعة الفقه للأديان والطب للأبدان والنجوم للأزمان والنحو للسان وقيل العالم طبيب هذه الأمة والدنيا داؤها فإذا كان الطبيب يطلب الداء فمتى يبرىء غيره
    وسئل الشعبي عن مسألة فقال لا علم لي بها فقيل له لا تستحي فقال ولم أستحي مما لم تستح الملائكة منه حين قالت لا علم لنا وعن النبي فضل العالم على العابد كفضلي على أدناكم وروي كفضل القمر ليلة البدر على سائر الكواكب وقال علي كرم الله وجهه من نصب نفسه للناس إماما فعليه أن يبدأ بتعليم نفسه قبل تعليم غيره وليكن تأديبه بسيرته قبل تأديبه بلسانه وقيل مؤدب نفسه ومعلمها أحق بالإجلال من مؤدب الناس ومعلمهم وأنشدوا
    ( يا أيها الرجل المعلم غيره ... هلا لنفسك كان ذا التعليم )
    ( تصف الدواء لذي السقام وذي الضنى ... كيما يصح به وأنت سقيم )
    ( ونراك تصلح بالرشاد عقولنا ... أبدا وأنت من الرشاد عديم )
    ( فابدأ بنفسك فانهها عن غيها ... فإذا انتهت عنه فأنت حكيم )
    ( فهناك يقبل ما تقول ويهتدى ... بالقول منك وينفع التعليم )
    ( لا تنه عن خلق وتأتي مثله ... عار عليك إذا فعلت عظيم )
    وقال بعضهم
    ( إني رأيت الناس في عصرنا ... لا يطلبون العلم للعلم )
    ( إلا مباهاة لأصحابه ... وعدة للغش والظلم )


    -------------------------------------

    المستطرف [ جزء 1 - صفحة 49 ]


    نظر رجل إلى امرأته وهي صاعدة في السلم فقال لها أنت طالق إن صعدت وطالق إن نزلت وطالق إن وقفت فرمت نفسها إلى الأرض فقال لها فداك أبي وأمي إن مات الإمام مالك أحتاج إليك أهل المدينة في أحكامهم وقال النبي هلاك أمتي في شيئين ترك العلم وجمع المال وسئل رسول الله عن أفضل الأعمال فقال العلم بالله والفقه في دينه وكررها عليه فقال يا رسول الله أسألك عن العمل فتخبرني عن العلم فقال إن العلم ينفعك معه قليل العمل وإن الجهل لا ينفعك معه كثير العمل وقال عيسى عليه السلام من علم وعمل عد في الملكوت الاعظم عظيما
    وقال الخليل عليه السلام العلوم أقفال والأسئلة مفاتيحها وعنه عليه السلام زلة العالم مضروب بها الطبل وزلة الجاهل يخفيها الجهل وقال الحسن رأيت أقواما من أصحاب رسول الله يقولون من عمل بغير علم كان ما يفسده أكثر مما يصلحه والعامل بغير علم كالسائر على غير طريق فاطلبوا العلم طلبا لا يضر بالعبادة واطلبوا العبادة طلبا لا يضر بالعلم وقال يزيد بن ميسرة من أراد بعلمه وجه الله تعالى أقبل الله بوجهه ووجوه العباد إليه ومن أراد بعلمه غير وجه الله صرف الله وجهه ووجوه العباد عنه وعن أنس رضي الله عنه عن النبي أنه قال ألا أخبركم بأجود الأجواد قالوا بلى يا رسول الله قال الله أجود الأجواد وأنا أجود ولد آدم وأجود من بعدي رجل علم علما فنشره يبعث يوم القيامة أمة وحده ورجل جاد بنفسه في سبيل الله حتى قتل وقال الثورى كان يقال العالم الفاجر فتنة لكل مفتون عن الفضيل رحمه الله تعالى أنه قال لو أن أهل العلم أكرموا أنفسهم وأعزوا هذا العلم وصانوه وأنزلوه حيث أنزله الله إذا لخضعت لهم رقاب الجبابرة وانقاد لهم الناس وكانوا لهم تبعا ولكنهم أذلوا أنفسهم وبذلوا علمهم لأبناء الدنيا فهانوا وذلوا فإنا لله وإنا إليه راجعون فأعظم بها مصيبة والله أعلم وللقاضي العلامة أبي الحسن علي بن عبد


    -------------------------------------

    المستطرف [ جزء 1 - صفحة 50 ]


    العزيز الجرجاني وفد أحسن كل الإحسان كأنما طرزت في خلع حسان
    ( ولم أقض حق العلم إن كنت كلما ... بدا طمع صيرته لي سلما )
    ( ولم أبتذل في خدمة العلم مهجتي ... لآخذ من لاقيت لكن لأخدما )
    ( أأشقى به غرسا وأجنيه ذلة ... إذا فأتباع الجهل قد كان أسلما )
    ( فإن قلت زند العلم كاب فإنما ... كبا حين لم نحرس حماه وأظلما )
    ( لو أن أهل العلم صانوه صانهم ... ولو عظموه في النفوس لعظما )
    ( ولكن أهانوه فهونوا ودنسوا ... محياه بالأطماع حتى تجهما )
    وقيل من لم يتعلم في صغره لم يتقدم في كبره وقال الفضيل شر العلماء من يجالس الأمراء وخير الأمراء من يجالس العلماء وقال لقمان جالس العلماء وزاحمهم بركبتيك فإن الله يحيي القلوب بنور الحكمة كما يحيي الأرض بماء السماء قيل من عرف بالحكمة لاحظته العيون بالوقار وكان ابن مسعود رضي الله عنه إذا رأى طالبي العلم قال مرحبا بكم ينابيع الحكمة ومصابيح الظلمة خلقان الثياب جدد القلوب رياحين كل قبيلة وقال علي رضي الله عنه كفى بالعلم شرفا أن يدعيه من لا يحسنه ويفرح به إذا نسب إليه وكفى بالجهل ضعة أن يتبرأ منه من هو فيه ويغضب إذا نسب إليه وعن النبي ما آتى الله أحدا علما إلا أخذ عليه الميثاق أن لا يكتمه أحدا ودعا بعضهم لآخر فقال جعلك الله ممن يطلب العلم رعاية لا رواية وممن يظهر حقيقة ما يعلمه بما يعلمه وعن عمر رضي الله عنه عن النبي قال على باب الجنة شجرة تحمل ثمارا كثدي النساء يخرج من تحتها عين ماء يشرب منها العلماء والمتعلمون مثل اللبن الحليب والناس عطاش


    -------------------------------------

    المستطرف [ جزء 1 - صفحة 51 ]


    وعن ابن مسعود رضي الله عنه من تعلم بابا من العلم ليعلمه للناس ابتغاء وجه الله أعطاه الله أجر سبعين نبيا وعن أنس رضي الله عنه عن رسول الله ويل لأمتي من علماء السوء يتخذون العلم تجارة يبيعونها لا أربح الله تجارتهم
    شعر
    ( العلم أنفس شيء أنت داخره ... من يدرس العلم لم تدرس مفاخره )
    ( أقبل على العلم واستقبل مقاصده ... فأول العلم إقبال وآخره )
    قال الشعبي دخلت على الحجاج حين قدم العراق فسألني عن إسمي فأخبرته ثم قال يا شعبي كيف علمك بكتاب الله قلت عني يؤخذ قال كيف علمك بالفرائض قلت إلي فيها المنتهى قال كيف علمك بأنساب الناس قلت أنا الفيصل فيها قال كيف علمك بالشعر قلت أنا ديوانه قال لله أبوك وفرض لي أموالا وسودني على قومي فدخلت عليه وأنا صعلوك من صعاليك همذان وخرجت وأنا سيدهم
    قال البستي
    ( إذا لم يزد علم الفتى قلبه هدى ... وسيرته عدلا وأخلاقه حسنا )
    ( فبشره أن الله أولاه فتنة ... تغشيه حرمانا وتوسعه حزنا )
    وقال الهيثم بن جميل شهدت مالك بن أنس رضي الله عنه سئل عن ثمان وأربعين مسألة فقال في اثنتين وثلاثين منها لا أدري وقال


    -------------------------------------

    المستطرف [ جزء 1 - صفحة 52 ]


    الأوزاعي شكت النواويس إلى الله تعالى ما تجد من نتن ريح الكفار فأوحى الله إليها بطون علماء السوء انتن مما انتم فيه وقال علي رضي الله عنه من أفتى الناس بغير علم لعنته ملائكة السماء والأرض ولصالح اللخمي شعر
    ( تعلم إذا ما كنت لست بعالم ... فما العلم إلا عند أهل التعلم )
    ( تعلم فإن العلم أزين للفتى ... من الحلة الحسناء عند التكلم )
    ودخل عبد الله بن مسلم الهذلي على المهدي في القراءة فأخذ عشرة آلاف درهم ثم دخل في الرماة فأخذ عشرة آلاف درهم ثم دخل في المغنين فأخذ كذلك ثم دخل في القصاص فأخذ كذلك فقال المهدي لم أر كاليوم أجمع لما يجمع الله في أحد منك ومل جماعة من الحكماء مجالسة رجل فتواروا عنه في بيت فرقي السطح وجعل يستمع من كوة حتى وقع عليه الثلج فصبر فشكر الله ذلك فجعله إمام الحكماء لا يختلفون في شيء إلا صدروا عن رأيه وشكا رجل إلى وكيع بن الجراح سوء الحفظ فقال له استعن على الحفظ بترك المعاصي فأنشا يقول
    ( شكوت إلى وكيع سوء حفظي ... فأرشدني إلى ترك المعاصي )
    ( وذلك أن حفظ العلم فضل ... وفضل الله لا يؤتى لعاصي )
    ووجد في بعض الآثار عن بعضهم أنه قال إذا أردت أن تكون أحفظ الناس فقل عند رفع الكتاب أو المصحف أو ابتداء القراءة في كل شيء أردت بسم الله وسبحان الله ولا إله إلا الله والله أكبر ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم عدد كل حرف كتب ويكتب أبد الآبدين ودهر الداهرين وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم
    قيل وإذا أردت أن لا تنسى حرفا فقل قبل القراءة اللهم افتح علينا حكمتك وانشر علينا رحمتك ياذا الجلال والإكرام وإذا أردت أن ترزق الحفظ فقل خلف كل صلاة مكتوبة آمنت بالله الواحد الأحد الحق لا شريك له وكفرت بما سواه


    -------------------------------------

    المستطرف [ جزء 1 - صفحة 53 ]


    ومن فوائد سيدي الشيخ صالح شهاب الدين أحمدبن موسى بن عجيل رحمه الله تعالى في الحفظ يقرأ في كل يوم عشر مرات ففهمناها سليمان وكلا آتينا حكما وعلما إلى قوله تعالى وكنا فاعلين يا حي يا قيوم يا رب موسى وهارون ويا رب إبراهيم ويا رب محمد عليه وعليهم الصلاة والسلام ألزمني الفهم وارزقني العلم والحكمة والعقل برحمتك يا أرحم الراحمين وعن أبي يوسف قال مات لي ولد فأمرت من يتولى دفنه ولم أدع مجلس أبي حنيفة خوفا أن يفوتني منه يوم وقال محمد بن إسحاق بن خزيمة ما رأيت تحت أديم السماء أعلم الحديث ولا أحفظ له من محمد بن إسماعيل البخاري حتى كان يقال إن حديثا لا يعرفه محمد بن إسماعيل ليس بحديث وقال البخاري رحمه الله تعالى أحفظ مائة ألف حديث صحيح ومائتي ألف حديث غير صحيح وقال ما وضعت كتابي الصحيح حديثا إلا اغتسلت قبل ذلك وصليت ركعتين وقال أخرجته من ستمائة ألف حديث وصنفته في ست عشرة سنة وجعلته حجة فيما بيني وبين الله تعالى وقال مجاهد أتينا عمر بن عبد العزيز لنعلمه فما برحنا حتى تعلمنا منه وكان يقال الليث بن سعد رحمه الله تعالى ذهب علمه كله بموته ولهذا قال الشافعي لما قدم مصر بعد موته والله لأنت أعلم من مالك وإنما أصحابك ضيعوك وقال الليث بن سعد ما هلك عالم قط إلا ذهب ثلثا علمه ولو حرص الناس ويقال إذا سئل العالم فلا تجب أنت فإن ذلك استخفاف بالسائل والمسؤول وقالوا من خدم المحابر خدمته المنابر
    شعر
    ( لا تدخر غير العلوم ... م فإنها نعم الذخائر )
    ( فالمرء لو ربح البقاء ... ء مع الجهالة كان خاسر )
    وللشافعي رضي الله تعالى عنه شعر
    ( أخي لن تنال العلم إلا بستة ... سأنبيك عن تفصيلها ببيان )


    -------------------------------------

    المستطرف [ جزء 1 - صفحة 54 ]


    ( ذكاء وحرص واجتهاد وبلغة ... وصحبة أستاذ وطول زمان )
    وقال الزهري العلماء أربعة سعيد بن المسيب بالمدينة وعامر الشعبي بالكوفة والحسن البصري بالبصرة ومكحول بالشام وقال بعضهم العلماء سرج الأزمنة كل عالم سراج زمانه يستضيء به أهل عصره وقيل لإبراهيم بن عيينة أي الناس أطول ندامة قال أما في الدنيا فصانع المعروف إلى من لا يشكره وأما في الآخرة فعالم مفرط
    شعر
    ( كن عالما وارض بصف النعال ... ولا تكن صدرا بغير الكمال )
    ( فإن تصدرت بلا آلة ... صيرت ذاك الصدر صف النعال )
    وقيل لما اجتمع موسى بالخضر عليهما السلام جاء عصفور فأخذ بمنقاره من البحر قطرة ثم حط على ورك الخضر ثم طار فنظر الخضر إلى موسى عليه السلام وقال يا نبي الله إن هذا العصفور يقول يا موسى أنت على علم من علم الله علمكه الله لا يعلمه الخضر والخضر على علم من علم الله علمه إياه لا تعلمه أنت وأنا على علم من علم الله علمنيه الله لا تعلمه انت ولا الخضر وما علمي وعلمك وعلم الخضر في علم الله إلا كهذه القطرة من هذا البحر قال الله تعالى ( ولا يحيطون بشيء من علمه إلا بما شاء ) وقال تعالى ( وما يعلم جنود ربك إلا هو ) قال عبد الله بن عباس رضي الله عنهما خلق الله تعالى أربعين ألف عالم الإنس والجن عالمان والبواقي لا يعلمها إلا هو وقال موسى عليه السلام يا رب قد قلت للسموات والأرض ائتيا طوعا أو كرها قالتا أتينا طائعين فلو لم تطعك السموات والأرض ماذا كنت فاعلا بهما قال يا موسى كنت آمر دابة من دوابي أن تبتلعهما قال موسى يا رب وأين تلك الدابة قال في مرج من مروجي قال


    -------------------------------------

    المستطرف [ جزء 1 - صفحة 55 ]


    موسى يا رب وأين ذلك المرج قال في علم من علمي لا يعلمه إلا أنا وعن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال خرج علينا رسول الله ونحن في فكرة فقال فيم تفكرون تفكروا في خلق الله ولا تفكروا في الله فإن الله خلق من جانب العرب أرضا يقال لها البيضاء تقطعها الشمس في أربعين يوما فيها خلق ما عصوا الله طرفة عين فقال ابن عمر يا رسول الله أين إبليس منهم قال ما علموا بإبليس خلق أم لا قال أمن بني آدم قال ما علموا بآدم خلق أم لا فهذه كلها مما أعدها الله في علم غيبه إنما أمره إذا أراد شيئا أن يقول له كن فيكون فسبحان الذي بيده ملكوت كل شيء وأليه ترجعون وقال قتادة لو كان أحد منا مكتفيا من العلم لاكتفى نبي الله موسى عليه السلام إذ قال هل أتبعك على أن تعلمني مما علمت رشدا وقال الحكماء أفضل العلم وقوف العالم عند علمه وقال بعضهم ليس العلم ما خزنته الدفاتر وإنما العلم ما خزنته الصدور وقيل العلم يؤدي إلى التصدير وقيل من تواضع للعلم ناله ومن لم يتواضع له لم ينله وقيل من برق علمه برق وجهه ومن لم يستفد بالعلم مالا اكتسب به جمالا العلم نور وهدى والجهل غي وردى وقال بعضهم العالم يعرف الجاهل والجاهل لا يعرف العالم لأن العالم كان جاهلا والجاهل لم يكن عالما وقيل أربعة يسودون العبد العلم والأدب والصدق والأمانة وقيل أهل العراق أطلب الناس للعلم وقال حماد بن سلمة مثل الذي يطلب الحديث ولا يعرف النحو كمثل الحمار عليه مخلاة لا شعير فيها ولإبراهيم ابن خلف المهراني
    ( النحو يصلح من لسان الأ لكن ... والمرء تكرمه إذا لم يلحن )
    ( وإذا طلبت من العلوم أجلها ... فأجلها منها مقيم الألسن )
    وقال علي بن بشار
    ( رأيت لسان المرء آية عقله ... وعنوانه فانظر بماذا تعنون )


    -------------------------------------

    المستطرف [ جزء 1 - صفحة 56 ]


    ( ولا تعد إصلاح اللسان فإنه ... يخبر عما عنده ويبين )
    ( ويعجبني زي الفتى وجماله ... فيسقط من عيني ساعة يلحن )
    ودخل أعرابي السوق فوجدهم يلحنون فقال سبحان الله يلحنون ويربحون وكلم أبو موسى بعض قواده فلحن فقال لم لا تنظر في العربية فقال بلغني أن من نظر فيها قل كلامه فقال ويحك لأن يقل كلامك بالصواب خير لك من أن يكثر كلامك بالخطأ وكان يقال مجالسة الجاهل مرض للعاقل وقال أبو الأسود الدؤلي إذا أردت أن تعذب عالما فافرق به جاهلا وقال الشاعر
    ( جهلت ولا تدري بأنك جاهل ... ومن لي بأن تدري بأنك لا تدري )
    وقال رجل للحسن أنا أفصح الناس قال لا تقل هذا قال فخذ علي كلمة واحدة قال هذه واحدة أبو جهل كناه المسلمون بذلك وكانت قريش تكنيه أبا الحكم فقال حسان رضي الله تعالى عنه
    ( الناس كنوه أبا حكم ... والله كناه أبا جهل )
    واما ما جاء في الأدب فقد قال بعض الحكماء العقل يحتاج إلى مادة من الأدب كما تحتاج الأبدان إلى قوتها من الطعام وقال علي كرم الله وجهه الأدب كنز عند الحاجة عون على المروءة صاحب في المجلس أنيس في الوحدة تعمر به القلوب الواهية وتحيا به الألباب الميتة وينال به الطالبون ما حاولوا وقيل عقل بلا أدب كشجاع بلا سلاح
    وحكي أن رجلا تكلم بين يدي المأمون فأحسن فقال ابن من أنت قال ابن الأدب يا أمير المؤمنين قال نعم النسب انتسبت إليه ولهذا قيل المرء من حيث يثبت لا من حيث ينبت ومن حيث يوجد لا من حيث يولد قال الشاعر


    -------------------------------------

    المستطرف [ جزء 1 - صفحة 57 ]


    ( كن ابن من شئت واكتسب أدبا ... يغنيك محموده عن النسب )
    ( إن الفتى من يقول ها أناذا ... ليس الفتى من يقول كان أبي )
    وقال بعض الحكماء من كثر أدبه كثر شرفه وإن كان وضيعا وبعد صيته وإن كان خاملا وساد وإن كان غريبا وكثرت حوائج الناس إليه وإن كان فقيرا قال بعض الشعراء
    ( لكل شيء زينة في الورى ... وزينة المرء تمام الأدب )
    ( قد يشرف المرء بآدابه ... فينا وإن كان وضيع الأدب )
    وقال بعض الأعاجم مفتخرا
    ( مالي عقلي وهمتي حسبي ... ما أنا مولى وما أنا عربي )
    ( إذا انتمى منتم إلى أحد ... فإنني منتم إلى أدبي )
    وقيل الفضل بالعقل والأدب لا بالأصل والحسب وقيل المرء بفضيلته لا بفصيلته وبكماله لا بجماله وبآدابه لا بثيابه وقيل لرجل من أدبك قال رأيت جهل الجهال قبيحا فاجتنبته فتأدبت ومن أدب ولده صغيرا سر به كبيرا من عرف الأدب اكتسب به المال والجاه خير الخلال الأدب وشر المقال الكذب وقيل لبقراط ما الفرق بين من له أدب ومن لا أدب به له قال كالفرق بين الحيوان الناطق والحيوان الذي ليس بناطق ودخل أبو العالية على ابن عباس رضي الله عنهما فأقعده معه على السرير وأقعد رجالا من قريش تحته فرأى سوء نظرهم إليه وحموضة وجوههم فقال ما لكم تنظرون إلي نظر الشحيح إلى الغريم المفلس هكذا الأدب يشرف الصغير على الكبير ويرفع المملوك على المولى ويقعد العبيد على الأسرة وقال جالينوس إن ابن الوضيع إذا كان أديبا كان نقص أبيه زائدا في منزلته وابن الشريف إذا كان غير أديب كان شرف أبيه زائدا في سقوطه وقيل أحسن الأدب أن لا يفتخر المرء بأدبه وسمع معاوية رجلا يقول


    -------------------------------------

    المستطرف [ جزء 1 - صفحة 58 ]


    أنا غريب فقال كلا الغريب من لا أدب له ويقال إذا فاتك الأدب فالزم الصمت فهو من أعظم الآداب ولعبد الملك بن صالح
    ( في الناس قوم أضاعو مجد أولهم ... ما في المكارم والتقوى لهم أرب )
    ( سوء التأدب أرداهم وأرذلهم ... وقد يزين صحيح المنصب الأدب )
    وقيل أربعة تسود العبد الأدب والعلم والصدق والأمانة وقال بعض الحكماء خمسة لا تتم إلا بخمسة لا يتم الحسب إلا بالأدب ولا يتم الجمال إلا بالحلاوة ولا يتم الغنى إلا بالجود ولا يتم البطش إلا بالجرأة ولا يتم الجهاد إلا بالتوفيق والله تعالى أعلم


    -------------------------------------

    المستطرف [ جزء 1 - صفحة 59 ]


    الباب الخامس في الآداب والحكم وما أشبه ذلك
    قال الحكماء إذا أراد الله بعبد خيرا ألهمه الطاعة وألزمه القناعة وفقهه في الدين وعضده باليقين فاكتفى بالكفاف واكتسى بالعفاف وإذا أراد به شرا حبب إليه المال وبسط منه الآمال وشغله بدنياه ووكله إلى هواه فركب الفساد وظلم العباد الثقة بالله أزكى أمل والتوكل عليه أوفى عمل من لم يكن له من دينه واعظ لم تنفعه المواعظ من سره الفساد ساءه المعاد كل يحصد ما زرع ويجزي بما صنع لا يغرنك صحة نفسك وسلامة أمسك فمدة العمر قليلة وصحة النفس مستحيلة من أطاع هواه باع دينه بدنياه ثمرة العلوم العمل بالمعلوم من رضي بقضاء الله لم يسخطه أحد ومن قنع بعطائه لم يدخله حسد أفضل الناس من لم تفسد الشهوة دينه خير الناس من أخرج الحرص من قلبه وعصى هواه في طاعة ربه نصرة الحق شرف ونصرة الباطل سرف البخيل حارس نعمته وخازن لورثته من لزم الطمع عدم الورع إذا ذهب الحياء حل البلاء علم لا ينفع كدواء لا ينجع من جهل المرء أن يعصى ربه في طاعة هواه ويهين نفسه في إكرام دنياه أيام الدهر ثلاثة يوم مضى لا يعود اليك ويوم أنت فيه لا يدوم عليك ويوم مستقبل لا ندري ما حاله ولا تعرف من أهله من كثر ابتهاجه بالمواهب اشتد انزعاجه للمصائب لا تبت على غير وصية وإن كنت من جسمك في صحة ومن عمرك في فسحة عظ المسيء بحسن أفعالك ودل على الجميل بجميل خلالك إياك وفضول الكلام فإنه يظهر من


    -------------------------------------

    المستطرف [ جزء 1 - صفحة 60 ]


    عيوبك ما بطن ويحرك من عدوك ما سكن لا يجد العجول فرحا ولا الغضوب سرورا ولا الملول صديقا حسن النية من العبادة حسن الجلوس من السياسة من زاد في خلقه نقص في حظه من ائتمن الزمان خانه أظهر الناس محبة أحسنهم لقاء لا يكمل للإنسان دينه حتى يكون فيه أربع خصال يقطع رجاءه مما في أيدي الناس ويسمع شتم نفسه ويصبر ويحب للناس ما يحب لنفسه ويثق بمواعيد الله إياك والحسد فإنه يفسد الدين ويضعف اليقين ويذهب المروءة قيل لأفلاطون ما الشيء الذي لا يحسن أن يقال وإن كان حقا قال مدح الانسان نفسه أربعة تؤدي إلى أربعة الصمت إلى السلامة والبر إلى الكرامة والجود إلى السيادة والشكر إلى الزيادة من ساء تدبيره أهلكه جده الغرة ثمرة الجهل آفة القوة استضعاف الخصم آفة النعم قبيح المن آفة الذنب حسن الظن الحزم أسد الآراء والغفلة أضر الأعداء من قعد عن حيلته أقامته الشدائد ومن نام عن عدوه أيقظته المكايد من قرب السفلة وأطرح ذوي الأحساب والمروآت استحق الخذلان من عفا تفضل من كظم غيظه فقد حلم من حلم فقد صبر ومن صبر فقد ظفر من ملك نفسه عند أربع حرمه الله على النار حين يغضب وحين يرغب وحين يرهب وحين يشتهي من طلب الدنيا بعمل الآخرة فقد خسرهما ومن طلب الآخرة بعمل الدنيا فقد ربحهما كلام المرء بيان فضله وترجمان عقله فاقصره على الجميل واقتصر منه على القليل كل امرىء يعرف بقوله ويوصف بفعله فقل سديدا وافعل حميدا من عرف شأنه وحفظ لسانه وأعرض عما لا يعنيه وكف عن عرض أخيه دامت سلامته وقلت ندامته كن صموتا وصدوقا فالصمت حرز والصدق عز من أكثر مقاله سئم ومن أكثر سؤاله حرم من استخف بإخوانه خذل ومن اجترأ على سلطانه قتل ما عز من أذل جيرانه ولا سعد من حرم إخوانه خير النوال ما وصل قبل السؤال أولى الناس


    -------------------------------------

    المستطرف [ جزء 1 - صفحة 61 ]


    بالنوال أزهدهم في السؤال من حسن صفاؤه وجب اصطفاؤه من غاظك بقبيح الشتم منه فغظه بحسن الحلم عنه من يبخل بماله على نفسه جاد به على زوج عرسه إذا اصطنعت المعروف فاستره وإذا اصطنع إليك فانشره من جاور الكرام أمن من الإعدام من طاب أصله زكا فرعه من أنكر الصنيعة استوجب القطيعة من من بمعروفه سقط شكره ومن أعجب بعمله حبط أجره من رضي من نفسه بالإساءة شهد على أصله بالرداءة من رجع في هبته بالغ في خسته من رقي في درجات الهمم عظم في عيون الأمم من كبرت همته كثرت قيمته من ساء خلقه ضاق رزقه من صدق في مقاله زاد في جماله من هان عليه المال توجهت إليه الآمال من جاد بماله جل ومن جاد بعرضه ذل خير المال ما أخذ من الحلال وصرف في النوال وشر المال ما اخذ من الحرام وصرف في الآثام أفضل المعروف إغاثة الملهوف من تمام المروءة أن تنسى الحق لك وتذكر الحق عليك وتستكبر الإساءة منك وتستصغرها من غيرك من أحسن المكارم عفو المقتدر جود الرجل يحببه إلى أصدقائه وبخله يبغضه إلى أودائه لا تسيء إلى من أحسن إليك ولا تعن على من أنعم عليك من كثر ظلمه واعتداؤه قرب هلاكه وفناؤه من طال تعديه كثرت أعاديه شر الناس من ينصر الظلوم ويخذل المظلوم من حفر حفيرا لأخيه كان حتفه فيه من سل سيف العدوان أغمد في رأسه من لم يرحم العبرة سلب النعمة ومن لم يقل العثرة سلب القدرة لا تحاج من يذهلك خوفه ويملكك سيفه صمت تسلم به خير من نطق تندم عليه من قال ما لا ينبغي سمع ما لا يشتهي جرح الكلام أصعب من جرح الحسام من سكت عن جاهل فقد أوسعه جوابا وأوجعه عتابا من أمات شهوته أحيا مروءته من كثرت عوارفه كثرت معارفه من لم


    -------------------------------------

    المستطرف [ جزء 1 - صفحة 62 ]


    تقبل توبته عظمت خطيئته إياك والبغي فإنه يصرع الرجال ويقطع الآجال الناس في الخير أربعة أقسام منهم من يفعله ابتداء ومنهم من يفعله اقتداء ومنهم من يتركه حرمانا ومنهم من يتركه استحسانا فمن فعله ابتداء فهو كريم ومن فعله اقتداء فهو حكيم ومن تركه حرمانا فهو شقي ومن تركه استحسانا فهو دني من سالم سلم ومن قدم الخير غنم ومن لزم الرقاد عدم المراد ومن دام كسله خاب أمله العجول مخطىء وإن ملك والمتأني مصيب وإن هلك من أمارات الخذلان معاداة الإخوان استفساد الصديق من عدم التوفيق الرفق مفتاح الرزق من نظر في العواقب سلم من النوائب ومن أسرع في الجواب أخطأ في الصواب من ركب العجل أدركه الزلل من ضعفت آراؤه قويت أعداؤه من قلت فضائله ضعفت وسائله من فعل ما شاء لقي ما ساء من كثر اعتباره قل عثاره من ركب جده غلب ضده القليل مع التدبير أبقى من الكثير مع التبذير ظن العاقل أصح من يقين الجاهل قليل تحمد آخرته خير من كثير تذم عاقبته من خاف سطوتك تمنى موتتك إذا استشرت الجاهل اختار لك الباطل من أعجبته آراؤه غلبته أعداؤه من قصر عن السياسة صغر عن الرياسة لا تشتك ضعفك إلى عدوك فإنك تشمته بك وتطمعه فيك من لم يعمل لنفسه عمل للناس ومن لم يصبر على كده صبر على الإفلاس من أفشى سره أفسد أمره الحازم من حفظ ما في يده ولم يؤخر شغل يومه لغده من طلب ما لا يكون طال تعبه لا تفتح بابا يعييك سده ولا ترم سهما يعجزك رده سوء التدبير سبب التدمير أغمد سيفك ما ناب عنك لسانك ليس العجب من جاهل يصحب جاهلا ولكن العجب من عاقل يصحبه لأن كل شيء يفر من ضده ويميل إلى جنسه إذا نزل القدر بطل الحذر رب عطب تحت طلب ومنية تحت أمنية لا يخلو المرء من ودود يمدح وعدو يقدح الجوع خير الخضوع الكذوب متهم وإن صدقت لهجته ووضحت حجته من طاوعه طرفه اشتد


    -------------------------------------

    المستطرف [ جزء 1 - صفحة 63 ]


    حتفه من لم تسر حياته لم تغم وفاته من اعظم الذنوب تحسين العيوب الشرف بالهمم العالية لا بالرمم البالية إذا ملك الأراذل هلك الأفاضل من ساءت أخلاقه طاب فراقه من حسنت خصاله طاب وصاله بعد يورث الصفا خير من قرب يوجب الجفا اللسان سيف قاطع لا يؤمن حده والكلام سهم نافذ لا يمكن رده من اطلع على جاره انهتكت حجب أستاره أجهل الناس من قل صوابه وكثر إعجابه أظهر الناس نفاقا من أمر بالطاعة ولم يأتمر بها ونهى عن المعصية ولم ينته عنها من سلا عن المسلوب كمن لم يسلب ومن صبر على النكبة كمن لا ينكب الفضيلة بكثرة الآداب لا بفراهة الدواب من زادت شهوته نقصت مروءته من عرف بشيء نسب إليه ومن اعتاد شيئا حرص عليه عند الجدال يظهر فضل الرجال من أخر الأكل لذ طعامه ومن أخر النوم طاب منامه موت في دولة وعز خير من حياة في ذلة وعجز مقاساة الفقر هي الموت الأحمر ومسألة الناس هي العار الأكبر حق يضر خير من باطل يسر كم من مرغوب فيه يسوء ولا يسر ومرهوب منه ينفع ولا يضر عثرة الرجل تزيل القدم وعثرة اللسان تزيل النعم المزاج يورث الضغائن من حلم ساد ومن تفهم ازداد معاشرة ذوي الألباب عمارة القلوب شر ما صحب المرء الحسد ربما أصاب الأعمى رشده وأخطأ البصير قصده اليأس خير من التضرع إلى الناس لا تكن ضاحكا في غير عجب ولا ماشيا في غير أرب من سعى بالنميمة حذره القريب ومقته الغريب الاستشارة عين الهداية وقد خاطر من استبد برأيه أشرف الغني ترك المنى من ضاق خلقه مله أهله الحسد للصديق من سقم المودة كل الناس راض عن عقله دنياك كلها وقتك الذي أنت فيه استر سوأة أخيك لما يعلم فيك خمول الذكر أسنى من الذكر الذميم العجلة أخت الندامة


    -------------------------------------

    المستطرف [ جزء 1 - صفحة 64 ]


    من كرم أصله لان قلبه ومن قل لبه زاد عجبه ربما أدرك بالظن الصواب ليس لمعجب رأي ولا لمتكبر صديق سل عن الرفيق قبل الطريق وعن الجار قبل الدار لا تعادين أحد فإنك لا تخلو من عداوة جاهل أو عاقل فالحذر من حكمة العاقل وجهل الجاهل ضاحك معترف بذنبه خير من باك مدل على ربه من قل سروره كان الموت راحته لا تردن على ذي خطأ خطأه فيستفيد منك علما ويتخذك عدوا استحي من ذم من لو كان حاضرا لبالغت في مدحه ومدح من لو كان غائبا لسارعت إلى ذمه
    وقيل المنفعة توجب المحبة والمضرة توجب البغضة والمخالفة توجب العداوة والمتابعة توجب الألفة والعدل يوجب اجتماع القلوب والجور يوجب الفرقة وحسن الخلق يوجب المودة وسوء الخلق يوجب المباعدة والانبساط يوجب المؤانسة والانقباض يوجب الوحشة والكبر يوجب المقت والتواضع يوجب الرفعة والجود يوجب المدح والبخل يوجب الذم والتواني يوجب التضييع والحزم يوجب السرور والحذر يوجب السلامة وإصابة التدبير توجب بقاء النعمة وبالتأني تسهل المطالب وبحسن المعاشرة تدوم المحبة وبخفض الجانب تأنس النفوس وبسعة خلق المرء يطيب عيشه والاستهانة توجب التباعد وبكثرة الصمت تكون الهيبة وبعدل المنطق تجلب الجلالة وبالنصفة تكثر المواصلة وبالأفضال يعظم القدر وبصالح الأخلاق تزكو الأعمال وباحتمال المؤن يجب السؤدد وبالحلم على السفيه تكثر أنصارك عليه وبالرفق والتودد تستحق اسم الكرامة وبترك ما لا يعنيك يتم لك الفضل
    واعلم أن السياسة تكسو أهلها المحبة ومن صغر الهمة الحسد للصديق على النعمة والنظر في العواقب نجاة ومن لم يحلم ندم ومن


    -------------------------------------

    المستطرف [ جزء 1 - صفحة 65 ]


    صبر غنم ومن سكت سلم ومن اعتبر أبصر ومن أبصر فهم ومن فهم علم ومن أطاع هواه ضل ومع العجلة الندامة ومع التأني السلامة وزارع البر يحصد السرور وصاحب العقل مغبوط وصداقة الجاهل تعب إذا جهلت فاسأل وإذا زللت فارجع وإذا أسأت فاندم وإذا ندمت فاقلع المروآت كلها تبع للعقل والرأي تبع للتجربة والعقل أصله التثبت وثمرته السلامة والأعمال كلها تتبع القدر واختار العلماء أربع كلمات من أربع كتب فمن التوراة من قنع شبع ومن الانجيل من اعتزل نجا ومن الزبور من سكت سلم ومن القرآن ومن يعتصم بالله فقد هدي إلى صراط مستقيم واجتمعت حكماء العرب والعجم على أربع كلمات لا تحمل بطنك ما لا يطيق ولا تعمل عملا لا ينفعك ولا تغتر بامرأة ولا تثق بمال ولو كثر والله تعالى أعلم


    -------------------------------------[/font:0d


    _________________
    ربنا افتح بيننا وبين قومنا بالحق وانت خير الفاتحين


    التوقيع مهداه من الاستاذ العراقى الكبير الخطاط جاسم النجفى

      الوقت/التاريخ الآن هو الخميس ديسمبر 13, 2018 10:23 pm